ابن أبي العز الحنفي

83

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية )

الضَّلَالِ وَالْإِلْحَادِ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى . وَالشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَشَارَ بِقَوْلِهِ : " مَا زَالَ بِصِفَاتِهِ قَدِيمًا قَبْلَ خَلْقِهِ " إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ - إِلَى الرَّدِّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ الشِّيعَةِ . فَإِنَّهُمْ قَالُوا : إِنَّ الله - تَعَالَى - صَارَ قَادِرًا عَلَى الْفِعْلِ وَالْكَلَامِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَيْهِ ، لِكَوْنِهِ صَارَ الْفِعْلُ وَالْكَلَامُ مُمْكِنًا بَعْدَ أَنْ كَانَ مُمْتَنِعًا ، وَأَنَّهُ انْقَلَبَ مِنَ الِامْتِنَاعِ الذَّاتِيِّ إِلَى الْإِمْكَانِ الذَّاتِيِّ ! وابْنِ كِلَابٍ وَالْأَشْعَرِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُمَا ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا : إِنَّ الْفِعْلَ صَارَ مُمْكِنًا لَهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُمْتَنِعًا مِنْهُ . وَأَمَّا الْكَلَامُ عِنْدَهُمْ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ وَالْقُدْرَةِ ، بَلْ هُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَازِمٌ لِذَاتِهِ . وَأَصْلُ هَذَا الْكَلَامِ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا : إِنَّ دَوَامَ الْحَوَادِثِ مُمْتَنِعٌ ، وَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لِلْحَوَادِثِ مَبْدَأٌ ؛ لِامْتِنَاعِ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْبَارِي - عَزَّ وَجَلَّ - لَمْ يَزَلْ فَاعِلًا مُتَكَلِّمًا بِمَشِيئَةٍ ، بَلْ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ ، لِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْمُمْتَنِعِ مُمْتَنِعَةٌ ! وَهَذَا فَاسِدٌ ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ حُدُوثِ الْعَالَمِ وَهُوَ حَادِثٌ ، وَالْحَادِثُ إِذَا حَدَثَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُحْدَثًا فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُمْكِنًا ، وَالْإِمْكَانُ لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ مَحْدُودٌ ، وَمَا مِنْ وَقْتٍ يُقَدَّرُ إِلَّا وَالْإِمْكَانُ ثَابِتٌ فِيهِ ، فلَيْسَ لِإِمْكَانِ الْفِعْلِ وَجَوَازِهِ وَصِحَّتِهِ مَبْدَأٌ يَنْتَهِي إِلَيْهِ ، فَيَجِبُ أَنَّهُ لَمْ يَزَلِ الْفِعْلُ مُمْكِنًا جَائِزًا صَحِيحًا ، فَيَلْزَمُ أَنَّهُ لَمْ يَزَلِ الرَّبُّ قَادِرًا عَلَيْهِ ، فَيَلْزَمُ جَوَازُ حَوَادِثَ لَا نِهَايَةَ لِأَوَّلِهَا . قَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ : نَحْنُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ إِمْكَانَ الْحَوَادِثِ لَا بِدَايَةَ لَهُ ، لَكِنْ نَقُولُ : إِمْكَانُ الْحَوَادِثِ بِشَرْطِ كَوْنِهَا مَسْبُوقَةً بِالْعَدَمِ لَا بِدَايَة لَهُ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَوَادِثَ عِنْدَنَا تَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ قَدِيمَةَ النَّوْعِ ، بَلْ يَجِبُ حُدُوثُ نَوْعِهَا وَيَمْتَنِعُ قِدَمُ نَوْعِهَا . لَكِنْ لَا يَجِبُ الْحُدُوثُ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ ، فَإِمْكَانُ الْحَوَادِثِ بِشَرْطِ كَوْنِهَا مَسْبُوقَةً بِالْعَدَمِ لِأَوَّلِهِ ، بِخِلَافِ جِنْسِ الْحَوَادِثِ . فَيُقَالُ لَهُمْ : هَبْ أَنَّكُمْ تَقُولُونَ ذَلِكَ ، لَكِنْ يُقَالُ : إِمْكَانُ جِنْسِ الْحَوَادِثِ