ابن أبي العز الحنفي
84
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية )
عِنْدَكُمْ لَهُ بِدَايَةٌ ، فَإِنَّهُ صَارَ جِنْسُ الْحُدُوثِ عِنْدَكُمْ مُمْكِنًا ، بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا ، وَلَيْسَ لِهَذَا الْإِمْكَانِ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ ، بَلْ مَا مِنْ وَقْتٍ يُفْرَضُ إِلَّا وَالْإِمْكَانُ ثَابِتٌ قَبْلَهُ ، فَيَلْزَمُ دَوَامُ الْإِمْكَانِ ، وَإِلَّا لَزِمَ انْقِلَابُ الْجِنْسِ مِنْ الِامْتِنَاعِ إِلَى الْإِمْكَانِ مِنْ غَيْرِ حُدُوثِ شَيْءٍ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ انْقِلَابَ حَقِيقَةِ جِنْسِ الْحُدُوثِ ، أَوْ جِنْسِ الْحَوَادِثِ ، أَوْ جِنْسِ الْفِعْلِ ، أَوْ جِنْسِ الإحْدَاثِ ، أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا مِنَ الْعِبَارَاتِ - مِنَ الِامْتِنَاعِ إِلَى الْإِمْكَانِ هُوَ : مُصَيِّرُ ذَلِكَ مُمْكِنًا جَائِزًا بَعْدَ أَنْ كَانَ مُمْتَنِعًا مِنْ غَيْرِ سَبَبِ تَجَدُّدٍ ، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ فِي صَرِيحِ الْعَقْلِ . وَهُوَ أَيْضًا انْقِلَابُ الْجِنْسِ مِنَ الِامْتِنَاعِ الذَّاتِيِّ إِلَى الْإِمْكَانِ الذَّاتِيِّ ، فَإِنَّ ذَاتَ جِنْسِ الْحَوَادِثِ عِنْدَهُمْ تَصِيرُ مُمْكِنَةً بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مُمْتَنِعَةً ، وَهَذَا الِانْقِلَابُ لَا يَخْتَصُّ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ ، فَإِنَّهُ مَا مِنْ وَقْتٍ يُقَدَّرُ إِلَّا وَالْإِمْكَانُ ثَابِتٌ قَبْلَهُ ، فَيَلْزَمُ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ هَذَا الِانْقِلَابُ مُمْكِنًا ، فَيَلْزَمُ أَنَّهُ لَمْ يَزَلِ الْمُمْتَنِعُ مُمْكِنًا ! وَهَذَا أَبْلَغُ فِي الِامْتِنَاعِ مِنْ قَوْلِنَا : لَمْ يَزَلِ الْحَادِثُ مُمْكِنًا ، فَقَدْ لَزِمَهُمْ فِيمَا فَرُّوا إِلَيْهِ أَبْلَغُ مِمَّا لَزِمَهُمْ فِيمَا فَرُّوا مِنْهُ ! فَإِنَّهُ يُعْقَلُ كَوْنُ الْحَادِثِ مُمْكِنًا ، وَيُعْقَلُ أَنَّ هَذَا الْإِمْكَانَ لَمْ يَزَلْ ، وَأَمَّا كَوْنُ الْمُمْتَنِعِ مُمْكِنًا فَهُوَ مُمْتَنِعٌ فِي نَفْسِهِ ، فَكَيْفَ إِذَا قِيلَ : لَمْ يَزَلْ إِمْكَانُ هَذَا الْمُمْتَنِعِ ؟ ! وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ . فَالْحَاصِلُ : أَنَّ نَوْعَ الْحَوَادِثِ هَلْ يُمْكِنُ دَوَامُهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَالْمَاضِي أَمْ لَا ؟ أَوْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَقَطْ ؟ أَوِ الْمَاضِي فَقَطْ ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ مَعْرُوفَةٍ لِأَهْلِ النَّظَرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ ، أَضْعَفُهَا : قَوْلُ مَنْ يَقُولُ ، لَا يُمْكِنُ دَوَامُهَا لَا فِي الْمَاضِي وَلَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، كَقَوْلِ جَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ وَأَبِي الْهُذَيْلِ الْعَلَّافِ . وَثَانِيهَا : قَوْلُ مَنْ يَقُولُ : يُمْكِنُ دَوَامُهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ دُونَ الْمَاضِي ، كَقَوْلِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ . وَالثَّالِثُ : قَوْلُ مَنْ يَقُولُ : يُمْكِنُ دَوَامُهَا فِي الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ ، كَمَا يَقُولُهُ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ ، وهِيَ مِنَ الْمَسَائِلِ الْكِبَارِ . وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ يُمْكِنُ دَوَامُهَا فِي الْمَاضِي دُونَ الْمُسْتَقْبَلِ .