ابن أبي العز الحنفي
80
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية )
عَلَى هَذا صِفَاتُ الْفِعْلِ وَالصِّفَاتُ الِاخْتِيَارِيَّةُ وَنَحْوُهَا ، كَالْخَلْقِ وَالتَّصْوِيرِ ، وَالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ ، وَالْقَبْضِ وَالْبَسْطِ وَالطَّيِّ ، وَالِاسْتِوَاءِ وَالْإِتْيَانِ وَالْمَجِيءِ وَالنُّزُولِ ، وَالْغَضَبِ وَالرِّضَا ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَوَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ، وَإِنْ كُنَّا لَا نُدْرِكُ كُنْهَهُ وَحَقِيقَتَهُ الَّتِي هِيَ تَأْوِيلُهُ ، وَلَا نَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مُتَأَوِّلِينَ بِآرَائِنَا ، وَلَا مُتَوَهِّمِينَ بِأَهْوَائِنَا ، وَلَكِنَّ أَصْلَ مَعْنَاهُ مَعْلُومٌ لَنَا ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } ( 1 ) كَيْفَ اسْتَوَى ؟ فَقَالَ : الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ ، وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ . وَإِن كَانَتْ هَذِهِ الْأَحْوَالُ تَحْدُثُ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ ، كَمَا فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ : « إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ » ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحُدُوثَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ غَيْرُ مُمْتَنَعٍ ، وَلَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ حَدَث بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ الْيَوْمَ وَكَانَ مُتَكَلِّمًا بِالْأَمْسِ لَا يُقَالُ : أَنَّهُ حَدَثَ لَهُ الْكَلَامُ ، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مُتَكَلِّمٍ لِآفَةٍ كَالصَّغِيرِ وَالْخَرَسِ ، ثُمَّ تَكَلَّمَ يُقَالُ : حَدَثَ لَهُ الْكَلَامُ ، فَالسَّاكِتُ لِغَيْرِ آفَةٍ يُسَمَّى مُتَكَلِّمًا بِالْقُوَّةِ ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ إِذَا شَاءَ ، وَفِي حَالِ تَكَلُّمِهِ يُسَمَّى مُتَكَلِّمًا بِالْفِعْلِ ، وَكَذَلِكَ الْكَاتِبُ فِي حَالِ الْكِتَابَةِ هُوَ كَاتِبٌ بِالْفِعْلِ ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ كَاتِبًا فِي حَالِ عَدَمِ مُبَاشَرَتِهِ للْكِتَابَةَ . وَحُلُولُ الْحَوَادِثِ بِالرَّبِّ تَعَالَى ، الْمَنْفِيُّ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ الْمَذْمُومِ ، لَمْ يَرِدْ نَفْيُهُ وَلَا إِثْبَاتُهُ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ . وَفِيهِ إِجْمَالٌ : فَإِنْ أُرِيدَ بِالنَّفْيِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَحِلُّ فِي ذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ شَيْءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ الْمُحْدَثَةِ ، ولَا يَحْدُثُ لَهُ وَصْفٌ مُتَجَدِّدٌ لَمْ يَكُنْ - فَهَذَا نَفْيٌ صَحِيحٌ . وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ نَفْيُ الصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ ، مِنْ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ، وَلَا يَتَكَلَّمُ بِمَا شَاءَ إِذَا شَاءَ ، وَلَا أَنَّهُ يَغْضَبُ وَيَرْضَى لَا كَأَحَدٍ مِنَ الْوَرَى ، وَلَا يُوصَفُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ النُّزُولِ وَالِاسْتِوَاءِ وَالْإِتْيَانِ كَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ - فَهَذَا نَفْيٌ بَاطِلٌ .
--> ( 1 ) سورة الْأَعْرَافِ آية : 54 ، وسورة يونس آية : 3 .