ابن أبي العز الحنفي
81
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية )
وَأَهْلُ الْكَلَامِ الْمَذْمُومِ يُطْلِقُونَ نَفْيَ حُلُولِ الْحَوَادِثِ ، فَيُسَلِّمُ السُّنِّيُّ لِلْمُتَكَلِّمِ ذَلِكَ ، عَلَى ظَنٍّ أَنَّهُ نَفَى عَنْهُ - سُبْحَانَهُ - مَا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ ، فَإِذَا سَلَّمَ لَهُ هَذَا النَّفْيَ أَلْزَمَهُ نَفْيَ الصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ وَصِفَاتِ الْفِعْلِ ، وَهُوَ غير لَازِمٍ لَهُ . وَإِنَّمَا أُتِيَ السُّنِّيُّ مِنْ تَسْلِيمِ هَذَا النَّفْيِ الْمُجْمَلِ ، وَإِلَّا فَلَوِ اسْتَفْسَرَ وَاسْتَفْصَلَ له لَمْ يَنْقَطِعْ مَعَهُ . وَكَذَا مَسْأَلَةُ " الصِّفَةِ " : هَلْ هِيَ زَائِدَةٌ عَلَى الذَّاتِ أَمْ لَا ؟ لَفْظُهَا مُجْمَلٌ . وَكَذَلِكَ لَفْظُ الْغَيْرِ ، فِيهِ إِجْمَالٌ ، فَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَا لَيْسَ هُوَ إِيَّاهُ ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَا جَازَ مُفَارَقَتُهُ لَهُ . وَلِهَذَا كَانَ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ لَا يُطْلِقُونَ عَلَى صِفَاتِ اللَّهِ وَكَلَامِهِ أَنَّهُ " غَيْرُهُ " ، وَلَا أَنَّهُ " لَيْسَ غَيْرَهُ " . لِأَنَّ إِطْلَاقَ الْإِثْبَاتِ قَدْ يُشْعِرُ أَنَّ ذَلِكَ مُبَايِنٌ لَهُ ، وَإِطْلَاقَ النَّفْيِ قَدْ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ هُوَ ، إِذْ كَانَ لَفْظُ " الْغَيْرِ " فِيهِ إِجْمَالٌ ، فَلَا يُطْلَقُ إِلَّا مَعَ الْبَيَانِ وَالتَّفْصِيلِ : فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّ هُنَاكَ ذَاتًا مُجَرَّدَةً قَائِمَةً بِنَفْسِهَا مُنْفَصِلَةً عَنِ الصِّفَاتِ الزَّائِدَةِ عَلَيْهَا - فَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّ الصِّفَاتِ زَائِدَةٌ عَلَى الذَّاتِ الَّتِي يُفْهَمُ مِنْ مَعْنَاهَا غَيْرُ مَا يُفْهَمُ مِنْ مَعْنَى الصِّفَةِ - فَهَذَا حَقٌّ ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي الْخَارِجِ ذَاتٌ مُجَرَّدَةٌ عَنِ الصِّفَاتِ ، بَلِ الذَّاتُ الْمَوْصُوفَةُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ الثَّابِتَةِ لَهَا لَا تَنْفَصِلُ عَنْهَا ، وَإِنَّمَا يَعْرِضُ للذِّهْنُ ذَات وَصِفَة ، كُلٌّ وَحْدَهُ ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي الْخَارِجِ ذَاتٌ غَيْرُ مَوْصُوفَةٍ ، فَإِنَّ هَذَا مُحَالٌ . وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا صِفَةَ الْوُجُودِ ، فَإِنَّهَا لَا تَنْفَكُّ عَنِ الْوْجُودِ ، وَإِنْ كَانَ الذِّهْنُ يَفْرِضُ ذَاتًا وَوُجُودًا ، يَتَصَوَّرُ هَذَا وَحْدَهُ ، وَهَذَا وَحْدَهُ ، لَكِنْ لَا يَنْفَكُّ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ فِي الْخَارِجِ . وَقَدْ يَقُولُ بَعْضُهُمْ : الصِّفَةُ لَا عَيْنُ الْمَوْصُوفِ وَلَا غَيْرُهُ . وهَذَا لَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ ، وَهُوَ : أَنَّ الصِّفَةَ لَيْسَتْ عَيْنَ ذَاتِ الْمَوْصُوفِ الَّتِي يَفْرِضُهَا الذِّهْنُ مُجَرَّدَةً بَلْ هِيَ غَيْرُهَا ، وَلَيْسَتْ غَيْرَ الْمَوْصُوفِ ، بَلِ الْمَوْصُوفُ بِصِفَاتِهِ وَاحِدٌ غَيْرُ