ابن أبي العز الحنفي

75

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية )

وَيَرَى لَا كَرُؤْيَتِنَا ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } ( 1 ) ، فَنَفَى الْمِثْلَ وَأَثْبَتَ الوصف . وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّيْخِ إِثْبَاتُ الصِّفَاتِ ، تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ نَفْيُ التَّشْبِيهِ مُسْتَلْزِمًا لِنَفْيِ الصِّفَاتِ . وَمِمَّا يُوَضِّحُ هَذَا : أَنَّ الْعِلْمَ الْإِلَهِيَّ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَدَلَّ فِيهِ بِقِيَاسٍ تَمْثِيلِيٍّ يَسْتَوِي فِيهِ الْأَصْلُ وَالْفَرْعُ ، وَلَا بِقِيَاسٍ شُمُولِيٍّ يَسْتَوِي أَفْرَادُهُ ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُمَثَّلَ بِغَيْرِهِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ هُوَ وَغَيْرُهُ تَحْتَ ( 2 ) قَضِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ يَسْتَوِي أَفْرَادُهَا . وَلِهَذَا لَمَّا سَلَكَتْ طَوَائِفُ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمَةِ مِثْلَ هَذِهِ الْأَقْيِسَةِ فِي الْمَطَالِبِ الْإِلَهِيَّةِ - لَمْ يَصِلُوا بِهَا إِلَى الْيَقِينِ ، بَلْ تَنَاقَضَتْ أَدِلَّتُهُمْ ، وَغَلَبَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ التَّنَاهِي الْحَيْرَةُ وَالِاضْطِرَابُ ، لِمَا يَرَوْنَهُ مِنْ فَسَادِ أَدِلَّتِهِمْ أَوْ تَكَافيهَا . وَلَكِنْ يُسْتَعْمَلُ فِي ذَلِكَ قِيَاسُ الْأَوْلَى ، سَوَاءً كَانَ تَمْثِيلًا أَوْ شُمُولًا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى } ( 3 ) . مِثْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ كُلَّ كَمَالٍ ثبت لِلْمُمْكِنِ أَوْ لِلْمُحْدَثِ ، لَا نَقْصَ فِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ، وَهُوَ مَا كَانَ كَمَالًا لِلْوُجُودِ غَيْرَ مُسْتَلْزِمٍ لِلْعَدَمِ بِوَجْهٍ - : فَالْوَاجِبُ الْقَدِيمُ أَوْلَى بِهِ . وَكُلُّ كَمَالٍ لَا نَقْصَ فِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ، ثَبَتَ نَوْعُهُ لِلْمَخْلُوقِ وَالْمَرْبُوبِ الْمُدَبَّرِ - : فَإِنَّمَا اسْتَفَادَهُ مِنْ خَالِقِهِ وَرَبِّهِ وَمُدَبِّرِهِ ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْهُ ، وَأَنَّ كُلَّ نَقْصٍ وَعَيْبٍ فِي نَفْسِهِ ، وَهُوَ مَا تَضَمَّنَ سَلْبَ هَذَا الْكَمَالِ ، إِذَا وَجَبَ نَفْيُهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَخْلُوقَاتِ وَالْمُمْكِنَاتِ وَالْمُحْدَثَاتِ - : فَإِنَّهُ يَجِبُ نَفْيُهُ عَنِ الرَّبِّ تَعَالَى بِطَرِيقِ الْأَوْلَى . وَمِنْ أَعْجَبِ الْعَجَبِ : أَنَّ مِنْ غُلَاةِ نُفَاةِ الصِّفَاتِ الَّذِينَ يَسْتَدِلُّونَ بِهَذِهِ

--> ( 1 ) سورة الشُّورَى آية : 11 . ( 2 ) في المطبوعة « بحيث » ، وهو تصحيف واضح . ( 3 ) سورة النَّحْلِ آية : 60 .