ابن أبي العز الحنفي

76

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية )

الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَلَى نَفْيِ الصِّفَاتِ أو الْأَسْمَاءِ ، وَيَقُولُونَ : وَاجِبُ الْوُجُودِ لَا يَكُونُ كَذَا وَلَا يَكُونُ كَذَا - ثُمَّ يَقُولُونَ : أَصْلُ الْفَلْسَفَةِ هِيَ التَّشبيهُ بِالْإِلَهِ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ ، وَيَجْعَلُونَ هَذَا غَايَةَ الْحِكْمَةِ وَنِهَايَةَ الْكَمَالِ الْإِنْسَانِيِّ ، وَيُوَافِقُهُمْ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ يُطْلِقُ هَذِهِ الْعِبَارَةَ ، وَيُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : « تَخَلَّقُوا بِأَخْلَاقِ اللَّهِ » ، فَإِذَا كَانُوا يَنْفُونَ الصِّفَاتِ ، فَبِأَيِّ شَيْءٍ يَتَخَلَّقُ الْعَبْدُ عَلَى زَعْمِهِمْ ؟ ! وَكَمَا أَنَّهُ لَا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ تَعَالَى ، لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ ، لَكِنَّ الْمُخَالِفَ فِي هَذَا النَّصَارَى وَالْحُلُولِيَّةُ وَالِاتِّحَادِيَّةُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ، وَنَفْيُ مُشَابَهَةِ شَيْءٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ لَهُ ، مُسْتَلْزِمٌ لِنَفْيِ مُشَابَهَتِهِ لِشَيْءٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ . فَلِذَلِكَ اكْتَفَى الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِقَوْلِهِ : " وَلَا يُشْبِهُ الْأَنَامَ " ، وَالْأَنَامُ : النَّاسُ ، وَقِيلَ : كُلُّ ذِي رُوحٍ ، وَقِيلَ : الثَّقَلَانِ . وَظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى : { وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ } ( 1 ) يَشْهَدُ لِلْأَوَّلِ أَكْثَرَ مِنَ الْبَاقِي . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( حَيٌّ لَا يَمُوتُ قَيُّومٌ لَا يَنَامُ ) . ش : قَالَ تَعَالَى : { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ } ( 2 ) . فَنَفْيُ السِّنَةِ وَالنَّوْمِ دَلِيلٌ عَلَى كَمَالِ حَيَاتِهِ وَقَيُّومِيَّتِهِ ، وَقَالَ تَعَالَى : { ألم } { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ } { نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ } ( 3 ) ، وَقَالَ تَعَالَى : { وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ } ( 4 ) ، وَقَالَ تَعَالَى : { وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ } ( 5 ) ، وَقَالَ تَعَالَى : { هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ } ( 6 ) . وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ » . الْحَدِيثَ . لَمَّا نَفَى الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ التَّشْبِيهَ - أَشَارَ إِلَى مَا تَقَعُ بِهِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ ، بِمَا يَتَّصِفُ بِهِ - تَعَالَى - دُونَ خَلْقِهِ : فَمِنْ ذَلِكَ : أَنَّهُ حَيٌّ لَا يَمُوتُ ؛ لِأَنَّ

--> ( 1 ) سورة الرَّحْمَنِ آية : 10 . ( 2 ) سورة الْبَقَرَةِ : 255 . ( 3 ) سورة آلِ عِمْرَانَ الآيات : 1 - 3 . ( 4 ) سورة طَه : 111 . ( 5 ) سورة الْفُرْقَانِ آية : 58 . ( 6 ) سورة غافر آية : 65 .