ابن أبي العز الحنفي

72

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية )

لَا فِي أَنْ يُعِينَهُ عَلَى ذَلِكَ ، إِذْ لَوْ أَعَانَهُ لَضَرَّهُ قَوْمُهُ . وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ . وَإِذَا قِيلَ : إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْعِبَادَ بِمَا يُصْلِحُهُمْ ، لَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُعِينَهُمْ عَلَى مَا أَمَرَهُمْ بِهِ ، لَا سِيَّمَا وَعِنْدَ الْقَدَرِيَّةِ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ أَحَدًا عَلَى مَا بِهِ يَصِيرُ فَاعِلًا . وَإِذَا عُلِّلَتْ أَفْعَالُهُ بِالْحِكْمَةِ ، فَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، وَإِنْ كُنَّا نَحْنُ لَا نَعْلَمُهَا . فَلَا يَلْزَمُ إِذَا كَانَ فِي نَفْسِ الْآمِرِ لَهُ حِكْمَةٌ فِي الْأَمْرِ أَنْ يَكُونَ فِي الْإِعَانَةِ عَلَى فِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ حِكْمَةٌ ، بَلْ قَدْ تَكُونُ الْحِكْمَةُ تَقْتَضِي أَنْ لَا يُعِينَهُ عَلَى ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ إِذَا أَمْكَنَ فِي الْمَخْلُوقِ أَنْ يَكُونَ مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ أَنْ يَأْمُرَ لِمَصْلَحَةِ الْمَأْمُورِ ، وَأَنْ تَكُونَ الْحِكْمَةُ وَالْمَصْلَحَةُ لِلْآمِرِ أَنْ لَا يُعِينَهُ عَلَى ذَلِكَ - فَإِمْكَانُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الرَّبِّ أَوْلَى وَأَحْرَى . وَالْمَقْصُودُ : أَنَّهُ يُمْكِنُ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِ الْحَكِيمِ أَنْ يَأْمُرَ غَيْرَهُ بِأَمْرٍ وَلَا يُعِينَهُ عَلَيْهِ ، فَالْخَالِقُ أَوْلَى بِإِمْكَانِ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ مَعَ حِكْمَتِهِ . فَمَنْ أَمَرَهُ وَأَعَانَهُ عَلَى فِعْلِ الْمَأْمُورِ كَانَ ذَلِكَ الْمَأْمُورُ بِهِ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ خَلْقُهُ وَأَمْرُهُ إِنْشَاءً وَخَلْقًا وَمَحَبَّةً ، فَكَانَ مُرَادًا بِجِهَةِ الْخَلْقِ وَمُرَادًا بِجِهَةِ الْأَمْرِ . وَمَنْ لَمْ يُعِنْهُ عَلَى فِعْلِ الْمَأْمُورِ كَانَ ذَلِكَ الْمَأْمُورُ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ أَمْرُهُ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ خَلْقُهُ ، لِعَدَمِ الْحِكْمَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِتَعَلُّقِ الْخَلْقِ بِهِ ، وَلِحُصُولِ الْحِكْمَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِخَلْقِ ضِدِّهِ . وَخَلْقُ أَحَدِ الضِّدَّيْنِ يُنَافِي خَلْقَ الضِّدِّ الْآخَرِ ، فَإِنَّ خَلْقَ الْمَرَضِ - الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ ذُلُّ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ وَدُعَاؤُهُ وَتَوْبَتُهُ وَتَكْفِيرُ خَطَايَاهُ وَيَرِقُّ بِهِ قَلْبُهُ وَيُذْهِبُ عَنْهُ الْكِبْرِيَاءَ وَالْعَظَمَةَ وَالْعُدْوَانَ - يُضَادُّ خَلْقَ الصِّحَّةِ الَّتِي لَا تَحْصُلُ مَعَهَا هَذِهِ الْمَصَالِحُ . وَلِذَلِكَ [ كَانَ ] خَلْقُ ظُلْمِ الظَّالِمِ - الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ لِلْمَظْلُومِ مِنْ جِنْسِ مَا يَحْصُلُ بِالْمَرَضِ - يُضَادُّ خَلْقَ عَدْلِهِ الَّذِي لَا يَحْصُلُ بِهِ هَذِهِ الْمَصَالِحُ ، وَإِنْ كَانَتْ مَصْلَحَتُهُ هُوَ فِي أَنْ يَعْدِلَ . وَتَفْصِيلُ حِكْمَةِ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ ، تَعْجِزُ عَنْ مَعْرِفَتِهَا عُقُولُ الْبَشَرِ . وَالْقَدَرِيَّةُ دَخَلُوا فِي التَّعطِيلِ عَلَى طَرِيقَةٍ فَاسِدَةٍ : مَثَّلُوا اللَّهَ فِيهَا بِخَلْقِهِ ، وَلَمْ يُثْبِتُوا حِكْمَةً تَعُودُ إِلَيْهِ .