ابن أبي العز الحنفي

35

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية )

وَمِنْهَا : أَنْ يُقَالَ : مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ كُلَّ نَفْسٍ قَابِلَةٌ لِلْعِلْمِ وَإِرَادَةِ الْحَقِّ ، وَمُجَرَّدُ التَّعْلِيمِ وَالتَّحْضِيضِ لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ وَالْإِرَادَةَ ، لَوْلَا أَنَّ فِي النَّفْسِ قُوَّةً تَقْبَلُ ذَلِكَ ، وَإِلَّا فَلَوْ عُلِّمَ الْجُهَّال وَالْبَهَائِمُ وَحُضِّضَا لَمْ يَقْبَلَا . وَمَعْلُومٌ أَنَّ حُصُولَ إِقْرَارِهَا بِالصَّانِعِ مُمْكِنٌ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ مُنْفَصِلٍ مِنْ خَارِجٍ ، وَتَكُونُ الذَّاتُ كَافِيَةً فِي ذَلِكَ ، فَإِذَا كَانَ الْمُقْتَضِي قَائِمًا فِي النَّفْسِ وَقُدِّرَ عَدَمُ الْمَعَارِضِ ، فَالْمُقْتَضِي السَّالِمُ عَنِ الْمَعَارِضِ يُوجِبُ مُقْتَضَاهُ ، فَعُلِمَ أَنَّ الْفِطْرَةَ السَّلِيمَةَ إِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهَا مَا يُفْسِدُهَا ، كَانَتْ مُقِرَّةً بِالصَّانِعِ عَابِدَةً لَهُ . وَمِنْهَا : أَنْ يُقَالَ ، أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَحْصُلِ الْمُفْسِدُ الْخَارِجُ ، وَلَا الْمُصْلِحُ الْخَارِجُ ، كَانَتِ الْفِطْرَةُ مُقْتَضِيَةً لِلصَّلَاحِ ، لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ فِيهَا لِلْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ قَائِمٌ ، وَالْمَانِعَ مُنْتَفٍ . وَيُحْكَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ : أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ أَرَادُوا الْبَحْثَ مَعَهُ فِي تَقْرِيرِ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ . فَقَالَ لَهُمْ : أَخْبِرُونِي قَبْلَ أَنْ نَتَكَلَّمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ سَفِينَةٍ فِي دِجْلَةَ ، تَذْهَبُ ، فَتَمْتَلِئُ مِنَ الطَّعَامِ وَالْمَتَاعِ وَغَيْرِهِ بِنَفْسِهَا ، وَتَعُودُ بِنَفْسِهَا ، فَتَرْسُو بِنَفْسِهَا ، وَتُفْرِغُ وَتَرْجِعُ ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُدَبِّرَهَا أَحَدٌ ؟ ! فَقَالُوا : هَذَا مُحَالٌ لَا يُمْكِنُ أَبَدًا ! فَقَالَ لَهُمْ : إِذَا كَانَ هَذَا مُحَالًا فِي سَفِينَةٍ ، فَكَيْفَ فِي هَذَا الْعَالَمِ كُلِّهِ عُلْوِهِ وَسُفْلِهِ ! ! وَتُحْكَى هَذِهِ الْحِكَايَةُ أَيْضًا عَنْ غَيْرِ أَبِي حَنِيفَةَ . فَلَوْ أَقَرَّ رَجُلٌ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ ، الَّذِي يُقِرُّ بِهِ هَؤُلَاءِ النُّظَّارُ ، وَيَفْنَى فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ التَّصَوُّفِ ، وَيَجْعَلُونَهُ غَايَةَ السَّالِكِينَ ، كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ " مَنَازِلِ السَّائِرِينَ " وَغَيْرُهُ ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ إِنْ لَمْ يَعْبُدِ اللَّهَ وَحْدَهُ وَيَتَبَرَّأْ مِنْ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ - كَانَ مُشْرِكًا مِنْ جِنْسِ أَمْثَالِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . وَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنْ تَقْرِيرِ هَذَا التَّوْحِيدِ وَبَيَانِهِ وَضَرْبِ الْأَمْثَالِ لَهُ . وَمِنْ ذَلِكَ