ابن أبي العز الحنفي

36

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية )

أَنَّهُ يُقَرِّرُ تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ ، وَيُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا خَالِقَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ أَنْ لَا يُعْبَدَ إِلَّا اللَّهُ ، فَيَجْعَلُ الْأَوَّلَ دَلِيلًا عَلَى الثَّانِي ، إِذْ كَانُوا يُسَلِّمُونَ في الْأَوَّلِ ، وَيُنَازِعُونَ فِي الثَّانِي ، فَيُبَيِّنُ لَهُمْ سُبْحَانَهُ أَنَّكُمْ إِذَا كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا خَالِقَ إِلَّا اللَّهُ وحده ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَأْتِي الْعِبَادَ بِمَا يَنْفَعُهُمْ ، وَيَدْفَعُ عَنْهُمْ مَا يَضُرُّهُمْ ، لَا شَرِيكَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، فَلِمَ تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ ، وَتَجْعَلُونَ مَعَهُ آلِهَةً أُخْرَى ؟ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا } { أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ } ( 1 ) الْآيَاتِ . يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي آخِرِ كُلِّ آيَةٍ : { أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ } أَيْ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ فَعَلَ هَذَا ؟ وَهَذَا اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ ، يَتَضَمَّنُ نَفْيَ ذَلِكَ ، وَهُمْ كَانُوا مُقِرِّينَ بِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ غَيْرُ اللَّهِ ، فَاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى أنه اسْتِفْهَامٌ : هَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهٌ ؟ كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُهُمْ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَعْنَى لَا يُنَاسِبُ سِيَاقَ الْكَلَامِ ، وَالْقَوْمُ كَانُوا يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ } ( 2 ) ، وَكَانُوا يَقُولُونَ : { أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ } ( 3 ) ، لَكِنَّهُمْ مَا كَانُوا يَقُولُونَ : إِنَّ مَعَهُ إِلَهًا : { جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا } ( 4 ) ، بَلْ هُمْ مُقِرُّونَ بِأَنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ فَعَلَ هَذَا ، وَهَكَذَا سَائِرُ الْآيَاتِ . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } ( 5 ) وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ : { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ } ( 6 ) . وَأَمْثَالُ ذَلِكَ .

--> ( 1 ) سورة النَّمْلِ الآيتان : 59 - 60 . ( 2 ) سورة الْأَنْعَامِ آية : 19 . ( 3 ) سورة ص آية : 5 . ( 4 ) سورة النمل آية : 61 . ( 5 ) سورة الْبَقَرَةِ آية : 21 . ( 6 ) سورة الْأَنْعَامِ آية : 46 .