ابن أبي العز الحنفي
25
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية )
وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ : أَيُّهَا الْمُغْتَدِي لِيَطْلُبَ عِلْمًا . . . كُلُّ عِلْمٍ عَبْدٌ لِعِلْمِ الرَّسُولِ تَطْلُبُ الْفَرْعَ كَيْ تُصَحِّحَ أَصْلًا . . . كَيْفَ أَغْفَلْتَ عِلْمَ أَصْلِ الْأُصُولِ وَنَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُوتِيَ فَوَاتِحَ الْكَلِمِ وَخَوَاتِمَهُ وَجَوَامِعَهُ ، فَبُعِثَ بِالْعُلُومِ الْكُلِّيَّةِ وَالْعُلُومِ الْأَوَّلِيَّةِ وَالأخْرَوِيَّةِ عَلَى أَتَمِّ الْوُجُوهِ ، وَلَكِنْ كُلَّمَا ابْتَدَعَ شَخْصٌ بِدْعَةً اتَّسَعُوا فِي جَوَابِهَا ، فَلِذَلِكَ صَارَ كَلَامُ الْمُتَأَخِّرِينَ كَثِيرًا ، قَلِيلَ الْبَرَكَةِ ، بِخِلَافِ كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ ، فَإِنَّهُ قَلِيلٌ ، كَثِيرُ الْبَرَكَةِ ، لَا كَمَا يَقُولُهُ ضُلَّالُ الْمُتَكَلِّمِينَ وَجَهَلَتُهُمْ : إِنَّ طَرِيقَةَ الْقَوْمِ أَسْلَمُ ، وَإِنَّ طَرِيقَتَنَا أَحْكَمُ وَأَعْلَمُ ! وَلا كَمَا يَقُولُهُ مَنْ لَمْ يُقَدِّرْهُمْ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْفِقْهِ : إِنَّهُمْ لَمْ يَتَفَرَّغُوا لِاسْتِنْبَاطِ الفقه وَضَبْطِ قَوَاعِدِهِ وَأَحْكَامِهِ اشْتِغَالًا مِنْهُمْ بِغَيْرِهِ ! وَالْمُتَأَخِّرُونَ تَفَرَّغُوا لِذَلِكَ ، فَهُمْ أَفْقَهُ ! ! فَكُلُّ هَؤُلَاءِ مَحْجُوبُونَ عَنْ مَعْرِفَةِ مَقَادِيرِ السَّلَفِ ، وَعُمْقِ عُلُومِهِمْ ، وَقِلَّةِ تَكَلُّفِهِمْ ، وَكَمَالِ بَصَائِرِهِمْ . وَتَاللَّهِ مَا امْتَازَ عَنْهُمُ الْمُتَأَخِّرُونَ إِلَّا بِالتَّكَلُّفِ وَالِاشْتِغَالِ بِالْأَطْرَافِ الَّتِي كَانَتْ هِمَّةُ الْقَوْمِ مُرَاعَاةَ أُصُولِهَا ، وَضَبْطَ قَوَاعِدِهَا ، وَشَدَّ مَعَاقِدِهَا ، وَهِمَمُهُمْ مُشَمَّرَةً إِلَى الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ . فَالْمُتَأَخِّرُونَ فِي شَأْنٍ ، وَالْقَوْمُ فِي شَأْنٍ آخَرَ ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا . وَقَدْ شَرَحَ هَذِهِ الْعَقِيدَةَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَلَكِنْ رَأَيْتُ بَعْضَ الشَّارِحِينَ قَدْ أَصْغَى إِلَى أَهْلِ الْكَلَامِ الْمَذْمُومِ ، وَاسْتَمَدَّ مِنْهُمْ ، وَتَكَلَّمَ بِعِبَارَاتِهِمْ . وَالسَّلَفُ لَمْ يَكْرَهُوا التَّكَلُّمَ بِالْجَوْهَرِ وَالْجِسْمِ وَالْعَرَضِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ اصْطِلَاحًا جَدِيدًا عَلَى مَعَانٍ صَحِيحَةٍ ، كَالِاصْطِلَاحِ عَلَى أَلْفَاظِ الْعُلُومِ الصَحِيحَةِ ، وَلَا كَرِهُوا أَيْضًا الدَّلَالَةَ عَلَى الْحَقِّ وَالْمُحَاجَّةِ لِأَهْلِ الْبَاطِلِ .