ابن أبي العز الحنفي
26
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية )
بَلْ كَرِهُوهُ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى أُمُورٍ كَاذِبَةٍ مُخَالِفَةٍ لِلْحَقِّ ، وَمِنْ ذَلِكَ مُخَالَفَتُهَا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَلِهَذَا لَا تَجِدُ عِنْدَ أَهْلِهَا مِنَ الْيَقِينِ وَالْمَعْرِفَةِ مَا عِنْدَ عَوَامِّ الْمُؤْمِنِينَ ، فَضْلًا عَنْ عُلَمَائِهِمْ ، وَلِاشْتِمَالِ مُقَدِّمَاتِهِمْ عَلَى الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، كَثُرَ الكلام ، وَانْتَشَرَ الْقِيلُ وَالْقَالُ ، وَتَوَلَّدَ لَهُمْ عَنْهَا مِنَ الْأَقْوَالِ الْمُخَالِفَةِ لِلشَّرْعِ الصَّحِيحِ وَالْعَقْلِ الصَّرِيحِ مَا يَضِيقُ عَنْهُ الْمَجَالُ . وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ الكلام زِيَادَةُ بَيَانٍ عِنْدَ قَوْلِهِ : " فَمَنْ رَامَ عِلْمَ مَا حُظِرَ عَنْهُ عِلْمُهُ " . وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَشْرَحَهَا سَالِكًا طَرِيقَ السَّلَفِ فِي عِبَارَاتِهِمْ ، وَأَنْسُجَ عَلَى مِنْوَالِهِمْ ، مُتَطَفِّلًا عَلَيْهِمْ ، لَعَلِّي أَنْ أُنْظَمَ فِي سِلْكِهِمْ ، وَأُدْخَلَ فِي عِدَادِهِمْ ، وَأُحْشَرَ فِي زُمْرَتِهِمْ { مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا } ( 1 ) . وَلَمَّا رَأَيْتُ النُّفُوسَ مَائِلَةً إِلَى الِاخْتِصَارِ ، آثَرْتُهُ عَلَى التَّطْوِيلِ وَالْإِسْهَابِ . ( وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) . وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . قَوْلُهُ : ( نَقُولُ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ مُعْتَقِدِينَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ : إِنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ ) . اعْلَمْ أَنَّ التَّوْحِيدَ أَوَّلُ دَعْوَةِ الرُّسُلِ ، وَأَوَّلُ مَنَازِلِ الطَّرِيقِ ، وَأَوَّلُ مَقَامٍ يَقُومُ فِيهِ السَّالِكُ إِلَى اللَّهِ . قَالَ تَعَالَى : { لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } ( 2 ) ، وَقَالَ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِقَوْمِهِ : { اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } ( 3 ) ، وَقَالَ صَالِحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِقَوْمِهِ : { اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } ( 4 ) ، وَقَالَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِقَوْمِهِ : { اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } ( 5 ) ، وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } ( 6 ) ، وَقَالَ تَعَالَى :
--> ( 1 ) سورة النِّسَاءِ ، آية : 69 . ( 2 ) سورة الْأَعْرَافِ ، آية : 59 . ( 3 ) سورة الْأَعْرَافِ آية : 65 . ( 4 ) سورة الْأَعْرَافِ ، آية : 73 . ( 5 ) سورة الْأَعْرَافِ ، آية : 85 . ( 6 ) سورة النَّحْلِ ، آية : 36 .