ابن أبي العز الحنفي
21
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية )
الْأُمَّةِ مَنْ يَحْفَظُ عَلَيْهَا أُصُولَ دِينِهَا ، كَمَا أَخْبَرَ الصَّادِقُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ » . وَمِمَّنْ قَامَ بِهَذَا الْحَقِّ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ : الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامَةَ الْأَزْدِيُّ الطَّحَاوِيُّ ، تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ ، بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ ، فَإِنَّ مَوْلِدَهُ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ ، وَوَفَاتَهُ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ( 1 ) . فَأَخْبَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ ، وَنَقَلَ عَنِ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ النُّعْمَانِ بْنِ ثَابِتٍ الْكُوفِيِّ ، وَصَاحِبَيْهِ أَبِي يُوسُفَ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْحِمْيَرِيِّ الْأَنْصَارِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ ، وَيَدِينُونَ بِهِ رَبَّ الْعَالَمِينَ . وَكُلَّمَا ( 2 ) بَعُدَ الْعَهْدُ ، ظَهَرَتِ الْبِدَعُ ، وَكَثُرَ التَّحْرِيفُ الَّذِي سَمَّاهُ أَهْلُهُ تَأْوِيلًا لِيُقْبَلَ ، وَقَلَّ مَنْ يَهْتَدِي إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ التَّحْرِيفِ وَالتَّأْوِيلِ . إِذْ قَدْ يُسَمَّى صَرْفُ الْكَلَامِ عَنْ ظَاهِرِهِ إِلَى مَعْنًى آخَرَ يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ فِي الْجُمْلَةِ تَأْوِيلًا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ قَرِينَةٌ تُوجِبُ ذَلِكَ ، وَمِنْ هُنَا حَصَلَ الْفَسَادُ . فَإِذَا سَمَّوْهُ تَأْوِيلًا قُبِلَ وَرَاجَ عَلَى مَنْ لَا يَهْتَدِي إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا . فَاحْتَاجَ الْمُؤْمِنُونَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى إِيضَاحِ الْأَدِلَّةِ ، وَدَفْعِ الشُّبَهِ الْوَارِدَةِ عَلَيْهَا ، وَكَثُرَ الْكَلَامُ وَالشَّغَبُ ، وَسَبَبُ ذَلِكَ إِصْغَاؤُهُمْ إِلَى شُبَهِ الْمُبْطِلِينَ ، وَخَوْضُهُمْ فِي الْكَلَامِ الْمَذْمُومِ ، الَّذِي عَابَهُ السَّلَفُ ، وَنَهَوْا عَنِ النَّظَرِ فِيهِ وَالِاشْتِغَالِ بِهِ
--> ( 1 ) تجد ترجمته مفصلة في : تذكرة الحفاظ للذهبي 3 : 28 - 29 . وتاريخ ابن كثير 11 : 174 ، والمنتظم لابن الجوزي 6 : 25 ، وشذرات الذهب 2 : 288 ، واللباب لابن الأثير 2 : 82 ، والجواهر المضيئة لابن أبي الوفا 1 : 102 - 105 ، والفوائد البهية : 31 - 34 ، ولسان الميزان 1 : 274 - 282 ، وتهذيب تاريخ ابن عساكر 2 : 54 - 55 ، وابن خلكان 1 : 53 - 55 طبعة مكتبة النهضة بمصر . ( 2 ) في المطبوعة « وكل ما » .