ابن أبي العز الحنفي
22
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية )
وَالْإِصْغَاءِ إِلَيْهِ ، امْتِثَالًا لِأَمْرِ رَبِّهِمْ ، حَيْثُ قَالَ : { وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } ( 1 ) ، فَإِنَّ مَعْنَى الْآيَةِ يَشْمَلُهُمْ . وَكُلٌّ مِنَ التَّحْرِيفِ وَالِانْحِرَافِ عَلَى مَرَاتِبَ : فَقَدْ يَكُونُ كُفْرًا ، وَقَدْ يَكُونُ فِسْقًا ، وَقَدْ يَكُونُ مَعْصِيَةً ، وَقَدْ يَكُونُ خَطَأً . فَالْوَاجِبُ اتِّبَاعُ الْمُرْسَلِينَ ، وَاتِّبَاعُ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ . وَقَدْ خَتَمَهُمُ اللَّهُ بِمُحَمَّدٍ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجَعَلَهُ آخِرَ الْأَنْبِيَاءِ ، وَجَعَلَ كِتَابَهُ مُهَيْمِنًا عَلَى مَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ كُتُبِ السَّمَاءِ ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ، وَجَعَلَ دَعْوَتَهُ عَامَّةً لِجَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ ، الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ، بَاقِيَةً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَانْقَطَعَتْ بِهِ حُجَّةُ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ . وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ بِهِ كُلَّ شَيْءٍ ، وَأَكْمَلَ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ الدِّينَ خَبَرًا وَأَمْرًا ( 2 ) ، وَجَعَلَ طَاعَتَهُ طَاعَةً لَهُ ، وَمَعْصِيَتَهُ مَعْصِيَةً لَهُ ، وَأَقْسَمَ بِنَفْسِهِ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوهُ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ، وَأَخْبَرَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى غَيْرِهِ ، وَأَنَّهُمْ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ - وَهُوَ الدُّعَاءُ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ - صَدُّوا صُدُودًا ، وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا أَرَادُوا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ، كَمَا يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمَةِ وَالْمُتَفَلْسِفَةِ وَغَيْرِهِمْ : إِنَّمَا نُرِيدُ أَنْ نُحِسَّ ( 3 ) الْأَشْيَاءَ بِحَقِيقَتِهَا ، أَيْ : نُدْرِكَهَا وَنَعْرِفَهَا ، وَنُرِيدُ التَّوْفِيقَ بَيْنَ الدَّلَائِلِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا " الْعَقْلِيَّاتِ " ، وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ : جَهْلِيَّاتٌ ! وَبَيْنَ الدَّلَائِلِ النَّقْلِيَّةِ الْمَنْقُولَةِ عَنِ الرَّسُولِ ، أَوْ نُرِيدُ التَّوْفِيقَ بَيْنَ الشَّرِيعَةِ وَالْفَلْسَفَةِ . وَكَمَا يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ ، مِنَ الْمُتَنَسِّكَةِ وَالْمُتَصَوِّفَةِ : إِنَّمَا نُرِيدُ الْأَعْمَالَ بِالْعَمَلِ الْحَسَنِ ، وَالتَّوْفِيقَ بَيْنَ الشَّرِيعَةِ وَبَيْنَ مَا يَدَّعُونَهُ مِنَ الْبَاطِلِ ، الَّذِي يُسَمُّونَهُ
--> ( 1 ) سورة الْأَنْعَامِ ، آية : 68 . ( 2 ) قال العلامة الشيخ عبد الله بن حسن : الخبر هو توحيد الربوبية ، وتوحيد الأسماء والصفات . والأمر : هو توحيد الألوهية . انتهى من تقرير شيخنا ووالدنا حسن بن حسين . ( 3 ) في المطبوعة « نحسن » .