النووي

43

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )

فَرْعٌ : مِنَ الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ ، أَغْسَالُ الْحَجِّ ، وَغُسْلُ الْعِيدَيْنِ ، وَيَأْتِي فِي مَوَاضِعِهَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - . وَأَمَّا الْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ ، فَفِيهِ قَوْلَانِ . الْقَدِيمُ : أَنَّهُ وَاجِبٌ ، وَكَذَا الْوُضُوءُ مِنْ مَسِّهِ . وَالْجَدِيدُ : اسْتِحْبَابُهُ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ . فَعَلَى هَذَا ، غُسْلُ الْجُمُعَةِ ، وَالْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ ، آكَدُ الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ ، وَأَيُّهُمَا آكَدُ ؟ قَوْلَانِ . الْجَدِيدُ : الْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ آكَدُ . وَالْقَدِيمُ : غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ صَاحِبِ ( التَّهْذِيبِ ) ، وَالرُّويَانِيِّ ، وَالْأَكْثَرِينَ . وَرَجَّحَ صَاحِبُ ( الْمُهَذَّبِ ) وَآخَرُونَ الْجَدِيدَ . وَفِي وَجْهٍ : هُمَا سَوَاءٌ . قُلْتُ : الصَّوَابُ ، الْجَزْمُ بِتَرْجِيحِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ ، لِكَثْرَةِ الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ فِيهِ . وَفِيهَا الْحَثُّ الْعَظِيمُ عَلَيْهِ ، كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ ) وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ ) . وَأَمَّا الْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ ، فَلَمْ يَصِحَّ فِيهِ شَيْءٌ أَصْلًا . ثُمَّ مِنْ فَوَائِدِ الْخِلَافِ ، وَلَوْ حَضَرَ إِنْسَانٌ مَعَهُ مَاءٌ ، يَدْفَعُهُ لِأَحْوَجِ النَّاسِ وَهُنَاكَ رَجُلَانِ ، أَحَدُهُمَا يُرِيدُهُ لِغُسْلِ الْجُمُعَةِ ، وَالْآخَرُ لِلْغُسْلِ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَأَمَّا الْكَافِرُ إِذَا أَسْلَمَ ، فَإِنْ كَانَ وَجَبَ عَلَيْهِ غُسْلٌ بِجَنَابَةٍ ، أَوْ حَيْضٍ ، لَزِمَهُ الْغُسْلُ وَلَا يُجْزِئُهُ غُسْلُهُ فِي الْكُفْرِ عَلَى الْأَصَحِّ ، كَمَا سَبَقَ فِي مَوْضِعِهِ . وَإِلَّا ، اسْتُحِبَّ لَهُ الْغُسْلُ لِلْإِسْلَامِ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : يَجِبُ . وَوَقْتُ الْغُسْلِ ، بَعْدَ الْإِسْلَامِ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَعَلَى الْوَجْهِ الضَّعِيفِ : يَغْتَسِلُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ . قُلْتُ : هَذَا الْوَجْهُ غَلَطٌ صَرِيحٌ ، وَالْعَجَبُ مِمَّنْ حَكَاهُ ، فَكَيْفَ بِمَنْ قَالَهُ ،