النووي

253

فتاوى الإمام النووي ( المسائل المنثورة )

ودلائلُ هذا في الأحاديث الصحيحة المشهورة أشهرُ من أن تشهر ، وأظهر أن تُذكر ، ولا يتسع هذا الموضوع لعشر معشار نصف عشرها . وأما حديث : " أقْضَاكُمْ عليٌّ " فليس فيه أنه أقضى من أبي بكر وعُمر رضي الله عنهما ؛ فإنه يقتضي أنه أقضى من المخاطَبين ، ولم يثبت كونهما كانا من المخاطبين ولا يلزم من كون واحد أقضى من جماعة ؛ أن يكون أقضى من كل واحد ، ولا يلزم من كونه أقضى أن يقلده غيرُه ؛ فإنه لا يجوز لمجتهد تقليدُ مجتهدٍ آخَر ؛ بل إِذا ظهر له بالاجتهاد خلافُ قولِ غيره لزمه العمل بما ظهر ، وأما قوله : هل يستفاد من ذلك كونه أفضلَ منهما . فجوابه أنه لا يستفاد لأوجهٍ : 1 - منها : أنه لم يثبت كونه أقضى منهما ، لما ذكرناه . 2 - ومنها : أنه لا يلزم من كون واحد أقضى من آخرَ ، أن يكون أعلَم منه مطلقًا ، وإِنما يقتضي رجحانه في معرفة القضاء فقط . 3 - ومنها : لا يلزم من كونه أقضى وأعلَم ، أن يكون أفضل ، لأن التفضيل ليس بمنحصر في معرفة القضاء . وأما قوله : هل كان أولى بالِإمامة منهما ؟ . فاعلم أنه لم يكن أولى بالِإمامة منهما ؛ بل كلٌ منهما في وقته ، كان أولى من عليٍّ بالِإمامة ، ويحرم اعتقادُ كونه أولى بها منهما تحريمًا غليظًا ؛ لأن فيه قدحًا في الأمة بأسرها ، ويتضمن الطعنَ في تقديم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر للصلاة ، وتكريرِه ذلك ، وبالأمر بسد الخوخات غير خوخة أبي بكر ، وغيرِ ذلك يقتضي رضاه - صلى الله عليه وسلم - بخلافة " أبي بكر " ورجحانهِ على غيره في ذلك وقد رُوّينا في سنن أبي داود - رحمه الله تعالى - بالإسناد الصحيح الذي لا يتطرق إِليه طعنٌ عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى قال : من زعم أن عليًا رضي الله عنه كان أحق بالولاية منهما فقد خَطَّأ أبا بكرٍ ، وعمرَ ، والمهاجرين ، والأنصار ، قال : ولا أُراه