إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي

30

الاعتصام ( تحقيق الهلالي )

ابْتَدَعَ فِيهِ - صَوْلَةٌ يَعْظُمُ مَوْقِعُهَا ، وَلَا قُوَّةٌ يَضْعُفُ دُونَهَا حِزْبُ اللَّهِ الْمُفْلِحُونَ ، فَصَارَ عَلَى اسْتِقَامَةٍ ، وَجَرَى عَلَى اجْتِمَاعٍ وَاتِّسَاقٍ ، فَالشَّاذُّ مَقْهُورٌ مُضْطَهَدٌ ، إِلَى أَنْ أَخَذَ اجْتِمَاعُهُ فِي الِافْتِرَاقِ الْمَوْعُودِ ، وَقُوَّتُهُ إِلَى الضَّعْفِ الْمُنْتَظَرِ ، وَالشَّاذُّ عَنْهُ تَقْوَى صَوْلَتُهُ وَيَكْثُرُ سَوَادُهُ ، وَاقْتَضَى سِرُّ التَّأَسِّي الْمُطَالَبَةَ بِالْمُوَافَقَةِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْغَالِبَ أَغْلَبُ ، فَتَكَالَبَتْ عَلَى سَوَادِ السُّنَّةِ الْبِدَعُ وَالْأَهْوَاءُ ، فَتَفَرَّقَ أَكْثَرُهُمْ شِيَعًا . وَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ فِي الْخَلْقِ ; أَنَّ أَهْلَ الْحَقِّ فِي جَنْبِ أَهْلِ الْبَاطِلِ قَلِيلٌ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ } [ يوسف : 103 ] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ } [ سبأ : 13 ] ، وَلِيُنْجِزَ اللَّهُ مَا وَعَدَ بِهِ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عَوْدِ وَصْفِ الْغُرْبَةِ إِلَيْهِ ، فَإِنَّ الْغُرْبَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا مَعَ فَقْدِ الْأَهْلِ أَوْ قِلَّتِهِمْ ، وَذَلِكَ حِينَ يَصِيرُ الْمَعْرُوفُ مُنْكَرًا وَالْمُنْكَرُ مَعْرُوفًا ، وَتَصِيرُ السُّنَّةُ بِدْعَةً وَالْبِدْعَةُ سُنَّةً ، فَيُقَامُ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ بِالتَّثْرِيبِ وَالتَّعْنِيفِ ، كَمَا كَانَ أَوَّلًا يُقَامُ عَلَى أَهْلِ الْبِدْعَةِ ; طَمَعًا مِنَ الْمُبْتَدِعِ أَنْ تَجْتَمِعَ كَلِمَةُ الضَّلَالِ ، وَيَأْبَى اللَّهُ أَنْ تَجْتَمِعَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ، فَلَا تَجْتَمِعُ الْفِرَقُ كُلُّهُا عَلَى كَثْرَتِهَا عَلَى مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ عَادَةً وَسَمْعًا ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ تَثْبُتَ جَمَاعَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ ، غَيْرَ أَنَّهُمْ لِكَثْرَةِ مَا تُنَاوِشُهُمُ الْفِرَقُ الضَّالَّةُ وَتُنَاصِبُهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ ; اسْتِدْعَاءً إِلَى مُوَافَقَتِهِمْ ، لَا يَزَالُونَ فِي جِهَادٍ وَنِزَاعٍ ، وَمُدَافَعَةٍ وَقِرَاعٍ ، آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَبِذَلِكَ يُضَاعِفُ اللَّهُ لَهُمُ الْأَجْرَ الْجَزِيلَ وَيُثِيبُهُمْ