إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
31
الاعتصام ( تحقيق الهلالي )
الثَّوَابَ الْعَظِيمَ . فَقَدْ تَلَخَّصَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ مُطَالَبَةَ الْمُخَالَفَةِ بِالْمُوَافَقَةِ جَارٍ مَعَ الْأَزْمَانِ ، لَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ ، فَمَنْ وَافَقَ ; فَهُوَ عِنْدَ الْمُطَالِبِ الْمُصِيبُ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ ، وَمَنْ خَالَفَ ; فَهُوَ الْمُخْطِئُ الْمُصَابُ ، وَمَنْ وَافَقَ ; فَهُوَ الْمَحْمُودُ السَّعِيدُ ، وَمَنْ خَالَفَ ; فَهُوَ الْمَذْمُومُ الْمَطْرُودُ ، وَمَنْ وَافَقَ ، فَقَدْ سَلَكَ سَبِيلَ الْهِدَايَةِ ، وَمَنْ خَالَفَ : فَقَدْ تَاهَ فِي طُرُقِ الضَّلَالَةِ وَالْغِوَايَةِ . وَإِنَّمَا قَدَّمْتُ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةَ لِمَعْنًى أَذْكُرُهُ : وَذَلِكَ أَنِّي وَلِلَّهِ الْحَمْدُ لَمْ أَزَلْ مُنْذُ فَتَقَ لِلْفَهْمِ عَقْلِي ، وَوُجِّهَ شَطْرَ الْعِلْمِ طَلَبِي أَنْظُرُ فِي عَقْلِيَّاتِهِ وَشَرْعِيَّاتِهِ ، وَأُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ ، لَمْ أَقْتَصِرْ مِنْهُ عَلَى عِلْمٍ دُونَ عِلْمٍ ، وَلَا أَفْرَدْتُ عَنْ أَنْوَاعِهِ نَوْعًا دُونَ آخَرَ ، حَسْبَمَا اقْتَضَاهُ الزَّمَانُ وَالْمَكَانُ ، وَأَعْطَتْهُ الْمِنَّةُ الْمَخْلُوقَةُ فِي أَصْلِ فِطْرَتِي ، بَلْ خُضْتُ فِي لُجَجِهِ خَوْضَ الْمُحْسِنِ لِلسِّبَاحَةِ ، وَأَقْدَمْتُ فِي مَيَادِينِهِ إِقْدَامَ الْجَرِيءِ ، حَتَّى كِدْتُ أَتْلَفُ فِي بَعْضِ أَعْمَاقِهِ ، أَوْ أَنْقَطِعُ فِي رُفْقَتِي الَّتِي بِالْأُنْسِ بِهَا تَجَاسَرْتُ عَلَى مَا قُدِّرَ لِي ، غَائِبًا عَنْ مَقَالِ الْقَائِلِ وَعَذْلِ الْعَاذِلِ ، وَمُعْرِضًا عَنْ صَدِّ الصَّادِّ وَلَوْمِ اللَّائِمِ ، إِلَى أَنْ مَنَّ عَلَيَّ الرَّبُّ الْكَرِيمُ الرَّءُوفُ الرَّحِيمُ ، فَشَرَحَ لِي مِنْ مَعَانِي الشَّرِيعَةِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي حِسَابِي ، وَأَلْقَى فِي نَفْسِي الْقَاصِرَةِ : أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ لَمْ يَتْرُكَا فِي سَبِيلِ الْهِدَايَةِ لِقَائِلٍ مَا يَقُولُ وَلَا أَبْقَيَا لِغَيْرِهِمَا مَجَالًا يُعْتَدُّ فِيهِ ، وَأَنَّ الدِّينَ قَدْ كَمُلَ ، وَالسَّعَادَةَ الْكُبْرَى فِيمَا وَضَعَ ، وَالطِّلْبَةَ فِيمَا شَرَعَ ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَضَلَالٌ وَبُهْتَانٌ وَإِفْكٌ وَخُسْرَانٌ ، وَأَنَّ الْعَاقِدَ عَلَيْهِمَا بِكِلْتَا يَدَيْهِ مُسْتَمْسِكٌ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى مُحَصِّلٌ لِكَلِمَتَيِ الْخَيْرِ دُنْيَا وَأُخْرَى ، وَمَا