إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
29
الاعتصام ( تحقيق الهلالي )
وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : « لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ ، لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ ، قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ : الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى ؟ قَالَ : فَمَنْ ؟ » وَهَذَا أَعَمُّ مِنَ الْأَوَّلِ ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ خَاصٌّ بِأَهْلِ الْأَهْوَاءِ ، وَهَذَا الثَّانِي عَامٌّ فِي الْمُخَالَفَاتِ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْحَدِيثِ قَوْلُهُ : حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ . وَكُلُّ صَاحِبِ مُخَالَفَةٍ ، فَمِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَدْعُوَ غَيْرَهُ إِلَيْهَا ، وَيَخُصَّ سُؤَالَهُ بَلْ سِوَاهُ عَلَيْهَا ، إِذِ التَّأَسِّي فِي الْأَفْعَالِ وَالْمَذَاهِبِ مَوْضُوعٌ طَلَبُهُ فِي الْجِبِلَّةِ ، وَبِسَبَبِهِ تَقَعُ فِي الْمُخَالِفِ الْمُخَالَفَةُ وَتَحْصُلُ مِنَ الْمُوَافِقِ الْمُؤَالَفَةُ ، وَمِنْهُ تَنْشَأُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ لِلْمُخْتَلِفِينَ . كَانَ الْإِسْلَامُ فِي أَوَّلِهِ وَجِدَّتِهِ مُقَاوِمًا بَلْ ظَاهِرًا ، وَأَهْلُهُ غَالِبُونَ ، وَسَوَادُهُمْ أَعْظَمُ الْأَسْوِدَةِ ، فَخَلَا مِنْ وَصْفِ الْغُرْبَةِ بِكَثْرَةِ الْأَهْلِ وَالْأَوْلِيَاءِ النَّاصِرِينَ ، فَلَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِمْ - مِمَّنْ لَمْ يَسْلُكْ سَبِيلَهُمْ ، أَوْ سَلَكَهُ وَلَكِنَّهُ