إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي

6

الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني )

فَنَقُولُ : قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ } ( 1 ) ، وَذَلِكَ أَن هَذِهِ الْآيَةَ شَمَلَتْ قِسْمَيْنِ هُمَا أَصل الْمَشْيِ عَلَى طَرِيقِ الصَّوَابِ ، أَو عَلَى طَرِيقِ الخطأَ : أَحدهما : الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ، وَهُمُ الثَّابِتُو الأَقدام فِي عِلْمِ الشَّرِيعَةِ . وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ متعذِّراً إِلا عَلَى مَنْ حَصَّلَ الأَمرين الْمُتَقَدِّمَيْنِ ، لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الْمَعْرِفَةِ بِهِمَا مَعًا عَلَى حَسَبِ مَا تُعْطِيهِ المُنَّة ( 2 ) الإِنسانية ، وإِذ ذَاكَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنه رَاسِخٌ فِي الْعِلْمِ . وَمُقْتَضَى الْآيَةُ مَدْحُهُ ، فَهُوَ إِذاً أَهلٌ لِلْهِدَايَةِ وَالِاسْتِنْبَاطِ . وَحِينَ خَصَّ أَهل الزَّيْغِ بِاتِّبَاعِ الْمُتَشَابِهِ ، دلَّ التَّخْصِيصُ عَلَى أَنَّ الرَّاسِخِينَ لَا يَتْبَعُونَهُ ، فَإِذًا ؛ لَا يَتَّبِعُونَ إِلا الْمُحْكَمَ ، وَهُوَ أُمُّ الْكِتَابِ ومُعْظَمُه . فَكُلُّ دَلِيلٍ خَاصٍّ أَو عَامٍّ شَهِدَ لَهُ مُعْظَمُ الشَّرِيعَةِ فَهُوَ الدَّلِيلُ الصَّحِيحُ ، وَمَا سِوَاهُ فَاسِدٌ ، إِذ لَيْسَ بَيْنَ الدليل ( 3 ) الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ وَاسِطَةٌ فِي الأَدلّة يُستند إِليها ؛ إِذ لَوْ كَانَ ثمَّ ثَالِثٌ لنصَّت عَلَيْهِ الْآيَةُ . ثُمَّ لَمَّا خُصَّ الزَّائِغُونَ بِكَوْنِهِمْ يَتَّبِعُونَ الْمُتَشَابِهَ ، ولم يوصف الراسخون بذلك ؛ دل على ( 4 ) أَنَّهم لا يتبعون تأَويله ؛ أَي : مآله ؛ يريد طلب معناه ؛ ليحكموا به على مقتضى أَهوائهم في طلب الفتنة ( 5 ) أَيضاً ( 6 ) . فإِن تأَوّلوه فبالرَّد إِلى المحكم ، فإن ( 7 ) أَمكن حمله على المحكم بمقتضى القواعد ؛ فهو ( 8 ) الْمُتَشَابِهُ الإِضافي لَا الْحَقِيقِيُّ ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ نَصٌّ عَلَى حُكْمِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلى الرَّاسِخِينَ ، فَلْيَرْجِعْ عِنْدَهُمْ إِلى الْمُحْكَمِ الَّذِي هُوَ أُمّ الْكِتَابِ . وإِن لَمْ يتأَوَّلُوه فَبِنَاءً عَلَى أَنه مُتَشَابِهٌ حقيقي ، فيقابلونه بالتسليم

--> ( 1 ) سورة آل عمران : الآية ( 7 ) . ( 2 ) المُنَّة : القُوَّة . " لسان العرب " ( 13 / 415 ) . ( 3 ) قوله : " الدليل " ليس في ( خ ) و ( م ) . ( 4 ) قوله : " على " من ( ر ) فقط . ( 5 ) من قوله : " ولم يوصف الراسخون " إلى هنا سقط من ( خ ) و ( م ) . ( 6 ) في ( خ ) و ( م ) ، بعد قوله : " أيضاً " زيادة : " علم أن الراسخين لا يتبعونه " . ( 7 ) في ( خ ) و ( م ) : " بأن " . ( 8 ) في ( خ ) : " فهذا " .