إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي

58

الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني )

وَأَمَّا إِنْ كَانَ التَّرْكُ ( 1 ) تَدَيُّنًا ، فَهُوَ الِابْتِدَاعُ فِي الدِّينِ عَلَى كِلْتَا الطَّرِيقَتَيْنِ ، إِذْ قَدْ فَرَضْنَا الْفِعْلَ جَائِزًا شَرْعًا ( 2 ) فَصَارَ التَّرْكُ الْمَقْصُودُ مُعَارَضَةً لِلشَّارِعِ فِي شَرْعِ التَّحْلِيلِ ( 3 ) . وَفِي مِثْلِهِ نزل قول الله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * } ( 4 ) ، فَنَهَى أَوَّلًا عَنْ تَحْرِيمِ الْحَلَالِ ، ثُمَّ جَاءَتِ الآية تشعر بأن ذلك اعتداء ، ( وأن من اعتدى ) ( 5 ) لَا يُحِبُّهُ اللَّهُ ، وَسَيَأْتِي لِلْآيَةِ تَقْرِيرٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ( 6 ) . لِأَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ همَّ أَنْ يُحَرِّمَ عَلَى نَفْسِهِ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ ، وَآخَرَ ( 7 ) الْأَكْلَ بِالنَّهَارِ ، وَآخَرَ إِتْيَانَ النِّسَاءِ ، وَبَعْضُهُمْ هَمَّ بِالِاخْتِصَاءِ ( 8 ) ، مُبَالَغَةً فِي تَرْكِ شَأْنِ ( 9 ) النِّسَاءِ . وَفِي أَمْثَالِ ذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي " ( 10 ) . فَإِذَا كُلُّ مَنْ مَنَعَ نَفْسَهُ مِنْ تَنَاوُلِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ - مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ - فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ سُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ( وَالْعَامِلُ بِغَيْرِ السُّنَّةِ تَدَيُّنًا هُوَ الْمُبْتَدِعُ بِعَيْنِهِ ) ( 11 ) . فَإِنْ قِيلَ : فَتَارِكُ الْمَطْلُوبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ - نَدْبًا أو وجوباً - هل يسمى

--> ( 1 ) في ( م ) و ( خ ) : " التارك " . ( 2 ) في ( ت ) : " شرعياً " . ( 3 ) في ( ط ) : " التحيلل " . ( 4 ) سورة المائدة ، آية ( 87 ) . ( 5 ) ما بين المعكوفين ساقط من ( ط ) . ( 6 ) وذلك في الباب الخامس ، حيث يفرد لها المؤلف فصلاً يبين فيه سبب نزولها ، ويذكر فيه مسائلها ( 1 / 323 ) . ( 7 ) في ( ت ) : " والآخر " . ( 8 ) غير واضحة في ( ت ) . ( 9 ) في ( م ) : " شبان " . ( 10 ) رواه الإمام البخاري في كتاب النكاح ، باب الترغيب في النكاح ( 9 / 104 ) ، ورواه مسلم في كتاب النكاح ( 9 / 175 ) ، والنسائي في نفس الكتاب ( 6 / 60 ) ، والإمام أحمد في المسند ( 3 / 241 ) جميعهم عن أنس رضي الله عنه في قصة الثلاثة الذين تقالوا عبادة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، فأرادوا أن يصنعوا ما ذكر فكان من ردّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم : " فمن رغب عن سنّتي فليس مني " ، ورواه أيضاً الدارمي عن سعد بن أبي وقاص في قصة رد التبتّل على عثمان بن مظعون ( 2 / 179 ) . ( 11 ) ما بين المعكوفين ساقط من ( ت ) .