إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
52
الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني )
لِقَوْلِهِمْ : لَا نَخْرُجُ مِنَ الْحَرَمِ اعْتِدَادًا بِحُرْمَتِهِ ( 1 ) ، وَطَوَافِ مَنْ طَافَ مِنْهُمْ بِالْبَيْتِ عُرْيَانًا ( 2 ) قَائِلِينَ : لَا نَطُوفُ بِثِيَابٍ عَصَيْنَا اللَّهَ فِيهَا ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا وَجَّهُوهُ ليصيِّروه ( 3 ) بِالتَّوْجِيهِ كَالْمَشْرُوعِ ، فَمَا ظَنُّكَ ( 4 ) بِمَنْ عُدّ أَوْ عَدَّ نَفْسَهُ مِنْ خَوَاصِّ أَهْلِ الْمِلَّةِ ؟ فَهُمْ أَحْرَى بِذَلِكَ ، وَهُمُ الْمُخْطِئُونَ وَظَنُّهُمُ الْإِصَابَةَ ، وَإِذَا تبيَّن هَذَا ظَهَرَ أَنَّ مُضَاهَاةَ الْأُمُورِ الْمَشْرُوعَةِ ضَرُورِيَّةُ الْأَخْذِ فِي أَجْزَاءِ الْحَدِّ . وَقَوْلُهُ : ( يُقْصَدُ بِالسُّلُوكِ عَلَيْهَا الْمُبَالَغَةُ فِي التَّعَبُّدِ لِلَّهِ تَعَالَى ) ، هُوَ تَمَامُ مَعْنَى الْبِدْعَةِ ؛ إِذْ هُوَ الْمَقْصُودُ بِتَشْرِيعِهَا . وَذَلِكَ أن أصل الدخول فيها الحثّ ( 5 ) عَلَى الِانْقِطَاعِ إِلَى الْعِبَادَةِ ، وَالتَّرْغِيبِ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ * } ( 6 ) ، فَكَأَنَّ الْمُبْتَدِعَ رَأَى أَنَّ الْمَقْصُودَ هَذَا الْمَعْنَى ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ أَنَّ مَا وَضَعَهُ الشَّارِعُ - فِيهِ - مِنَ الْقَوَانِينِ وَالْحُدُودِ كَافٍ ، فَرَأَى ( 7 ) مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ ( 8 ) - لِمَا أُطْلِقَ الْأَمْرُ فِيهِ - مِنْ قَوَانِينَ مُنْضَبِطَةٍ ، وَأَحْوَالٍ مُرْتَبِطَةٍ ، مَعَ ما يداخل ( 9 ) النفوس من حب الظهور [ والذكر بالمناقب التي ينفرد بها الأفراد ، واستنباط الفوائد التي لا عهد بها ، إذ الدخول في غمار الخلق يميت الهوى ، لعدم الظُّهُورِ ] ( 10 ) ، أَوْ عَدَمِ مَظِنَّتِهِ ، فَدَخَلَتْ فِي هَذَا الضبط شائبة البدعة .
--> ( 1 ) نقل الإمام ابن كثير في تفسيره عند قوله تعالى : { ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ } قولاً لعائشة رضي الله عنها حيث قال : كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة ، وكانوا يسمون الحمس ، وسائر العرب يقفون بعرفات ، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه صلّى الله عليه وسلّم أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها ، فذلك قوله : { مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ } . وانظر : الخبر في صحيح البخاري ، كتاب الحج ، باب الوقوف بعرفة ( 1665 ) ، وصحيح مسلم ، كتاب الحج ، باب في الوقوف ( 1219 ) . ( 2 ) ساقطة من أصل ( م ) ومثبتة في هامشها . ( 3 ) في ( ت ) : " ليصير " . ( 4 ) ساقطة من أصل ( ت ) ، ومثبتة في هامشها . ( 5 ) في ( ط ) : " يحث " . ( 6 ) سورة الذاريات ، آية ( 56 ) . ( 7 ) في ( م ) و ( غ ) : " فؤاد " . ( 8 ) في ( غ ) : " لا بد من " . ( 9 ) في ( غ ) : " يخالط " . ( 10 ) ما بين المعكوفين ساقط من جميع النسخ عدا ( غ ) و ( ر ) .