إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي

234

الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني )

الضَّالُّ ، وَالشَّاةُ الضَّالَّةُ . وَرَجُلٌ ضَلَّ عَنِ الطَّرِيقِ إِذَا خَرَجَ عَنْهُ ، لِأَنَّهُ الْتُبِسَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ هَادٍ يَهْدِيهِ ، وَهُوَ الدَّلِيلُ . فصاحب البدعة لما غلب عليه الْهَوَى مَعَ الْجَهْلِ بِطَرِيقِ السُّنَّةِ ، تَوَهَّمَ أَنَّ مَا ظَهَرَ لَهُ بِعَقْلِهِ هُوَ الطَّرِيقُ الْقَوِيمُ دُونَ غَيْرِهِ ، فَمَضَى عَلَيْهِ ، فَحَادَ بِسَبَبِهِ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ ، فَهُوَ ضَالٌّ مِنْ حَيْثُ ظَنَّ أَنَّهُ رَاكِبٌ لِلْجَادَّةِ ( 1 ) ، كَالْمَارِّ بِاللَّيْلِ عَلَى الْجَادَّةِ وَلَيْسَ لَهُ دَلِيلٌ يَهْدِيهِ ، يُوشِكُ أَنْ يَضِلَّ عنها ، فيقع في متلفة ( 2 ) ، وَإِنْ كَانَ بِزَعْمِهِ يَتَحَرَّى قَصْدَهَا . فَالْمُبْتَدِعُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِنَّمَا ضَلَّ فِي أَدِلَّتِهَا حَيْثُ أَخَذَهَا مَأْخَذَ الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ ، لَا مَأْخَذَ الِانْقِيَادِ تَحْتَ أَحْكَامِ اللَّهِ . وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُبْتَدِعِ وَغَيْرِهِ ، لِأَنَّ الْمُبْتَدِعَ جَعَلَ الْهَوَى أَوَّلَ مَطَالِبِهِ ، وَأَخَذَ ( 3 ) الْأَدِلَّةَ بِالتَّبَعِ ، وَمِنْ شَأْنِ الْأَدِلَّةِ أَنَّهَا جَارِيَةٌ عَلَى كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَمِنْ شَأْنِ كلامها الاحتراز فيه بالظواهر ، فقلما تجد ( 4 ) فيه نصاً لا يحتمل حسبما قرره من تقدم في غير هذا الْعِلْمِ ، وَكُلُّ ظَاهِرٍ يُمْكِنُ ( 5 ) فِيهِ أَنْ يُصْرَفَ عَنْ مُقْتَضَاهُ فِي الظَّاهِرِ ( 6 ) الْمَقْصُودِ ، وَيُتَأَوَّلُ عَلَى غَيْرِ مَا قُصِدَ فِيهِ . فَإِذَا انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ الْجَهْلُ بِأُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَعَدَمُ الِاضْطِلَاعِ بِمَقَاصِدِهَا ، كَانَ الْأَمْرُ أَشَدَّ وَأَقْرَبَ إِلَى التَّحْرِيفِ وَالْخُرُوجِ عن مقاصد الشرع . فكان المدرك أعرق ( 7 ) فِي الْخُرُوجِ عَنِ السُّنَّةِ ، وَأَمْكَنُ فِي ضَلَالِ الْبِدْعَةِ ، فَإِذَا غَلَبَ الْهَوَى أَمْكَنَ انْقِيَادُ أَلْفَاظِ الْأَدِلَّةِ إِلَى مَا أَرَادَ مِنْهَا . وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّكَ لَا تَجِدُ مُبْتَدِعًا ( 8 ) مِمَّنْ يُنْسَبُ إلى الملة

--> ( 1 ) الجادة هي معظم الطريق ، وجمعها جواد . انظر : الصحاح للجوهري ( 2 / 452 ) . ( 2 ) في ( خ ) وأصل ( م ) و ( ط ) : " متابعة " . وفي ( ت ) : " متاعب " ، وفي ( ر ) : " متلفة " . ( 3 ) في ( ت ) : " فأخذ " . ( 4 ) في ( خ ) و ( ط ) وأصل ( م ) : " فكما تجب " ، وفي ( ت ) : " كما تجب " . ( 5 ) في ( ت ) : " ممكن " . ( 6 ) في ( ت ) : " الظر " . ( 7 ) في ( خ ) و ( ت ) : " أغرق " . ( 8 ) في ( غ ) : " متبوعاً " .