إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي

235

الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني )

إِلَّا وَهُوَ يَسْتَشْهِدُ عَلَى بِدْعَتِهِ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ ، فَيُنْزِلُهُ عَلَى مَا وَافَقَ عَقْلَهُ وَشَهْوَتَهُ ، وَهُوَ أَمْرٌ ثَابِتٌ فِي الْحِكْمَةِ الْأَزَلِيَّةِ الَّتِي لَا مَرَدَّ لَهَا ، قَالَ تَعَالَى : { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } ( 1 ) ، وَقَالَ : { كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } ( 2 ) ، لَكِنْ إِنَّمَا يَنْسَاقُ لَهُمْ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْمُتَشَابِهُ مِنْهَا لَا الْوَاضِحُ ، وَالْقَلِيلُ مِنْهَا لَا الْكَثِيرُ ( 3 ) ، وَهُوَ أَدَلُّ الدَّلِيلِ عَلَى اتِّبَاعِ الْهَوَى ، فَإِنَّ الْمُعْظَمَ وَالْجُمْهُورَ مِنَ الْأَدِلَّةِ إِذَا دَلَّ عَلَى أمر بظاهره فهو الحق ، فإن جاء مَا ( 4 ) ظَاهِرُهُ الْخِلَافُ فَهُوَ النَّادِرُ وَالْقَلِيلُ ، فَكَانَ من حق الناظر ( 5 ) رَدُّ الْقَلِيلِ إِلَى الْكَثِيرِ ، وَالْمُتَشَابِهِ إِلَى الْوَاضِحِ ، غَيْرَ أَنَّ الْهَوَى زَاغَ بِمَنْ أَرَادَ اللَّهُ زَيْغَهُ ، فَهُوَ فِي تِيهٍ ، مِنْ حَيْثُ يَظُنُّ أَنَّهُ عَلَى الطَّرِيقِ ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُبْتَدِعِ فَإِنَّهُ إِنَّمَا جَعَلَ الْهِدَايَةَ إِلَى الْحَقِّ أَوَّلَ مَطَالِبِهِ ، وَأَخَّرَ هَوَاهُ - إِنْ كَانَ فَجَعَلَهُ بِالتَّبَعِ ، فَوَجَدَ جمهور الأدلة ومعظم الكتاب واضحاً في المطلب ( 6 ) الذي بحث عنه ، فركب ( 7 ) الجادة إليه ( 8 ) ، وَمَا شَذَّ لَهُ عَنْ ( 9 ) ذَلِكَ ، فَإِمَّا أَنْ يَرُدَّهُ إِلَيْهِ ، وَإِمَّا أَنْ يَكِلَهُ إِلَى عَالِمِهِ ( 10 ) ، وَلَا يَتَكَلَّفُ الْبَحْثَ عَنْ تَأْوِيلِهِ . وَفَيْصَلُ الْقَضِيَّةِ بَيْنَهُمَا قَوْلُهُ تَعَالَى : { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ } إِلَى قَوْلِهِ : { وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا } ( 11 ) ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُسَمَّى مَنْ هَذِهِ حَالُهُ مُبْتَدِعًا وَلَا ضَالًّا ، وَإِنْ حَصَلَ فِي الْخِلَافِ أَوْ خَفِيَ عَلَيْهِ . أَمَّا أَنَّهُ غَيْرُ مُبْتَدِعٍ فَلِأَنَّهُ اتَّبَعَ الْأَدِلَّةَ مُلْقِيًا إِلَيْهَا حِكْمَةَ ( 12 ) الِانْقِيَادِ ، بَاسِطًا يَدَ الِافْتِقَارِ ، مُؤَخِّرًا هَوَاهُ ، وَمُقَدِّمًا لِأَمْرِ الله .

--> ( 1 ) سورة البقرة : آية ( 26 ) . ( 2 ) سورة المدثر : آية ( 31 ) . ( 3 ) في ( ط ) : " كالكثير " . وهو خطأ . ( 4 ) في ( ت ) : " ما على ظاهره . . . " ، وفي ( ط ) : " على ما ظاهره . . . " . ( 5 ) في ( ط ) : " الظاهر " ، وهو خطأ . ( 6 ) في ( م ) و ( ط ) : " الطلب " . ( 7 ) في ( ط ) : " فوجد " . ( 8 ) ساقطة من ( خ ) و ( ت ) و ( ط ) . ( 9 ) في ( ت ) : " من " . ( 10 ) في ( غ ) : " عامله " . ( 11 ) سورة آل عمران : آية ( 7 ) . ( 12 ) لعل مراد المؤلف أحد معاني الكلمة لغة . قال في الصحاح : وحكمة اللجام : ما أحاط بالحنك . تقول منه حكمت الدابة حكماً ، وأحكمتها أيضاً . الصحاح ( 5 / 1902 ) . فلعل المؤلف استعار هذا المعنى .