إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
232
الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني )
ثُمَّ إِنَّ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ مَالِكٌ مِنَ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ الْمُنَافِقِينَ حِينَ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ ، وَهُمُ ( 1 ) الَّذِينَ كَانُوا يَتَسَلَّلُونَ ( 2 ) لِوَاذًا ( 3 ) . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ النِّفَاقَ مِنْ أَصْلِهِ بِدْعَةٌ ، لأنه وضع ( 4 ) فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى غَيْرِ مَا وَضَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى ، وَلِذَلِكَ لَمَّا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنِ الْمُنَافِقِينَ قال : { أُولَئِكَ الَّذِينَ اُشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى } ( 5 ) ، فمن حيث ( نزلت آية النور في المنافقين شملت كل من اتصف بذلك والوصف الذي هو مظنة الفتنة ، فَمِنْ حَيْثُ ) ( 6 ) كَانَتْ عَامَّةً فِي الْمُخَالِفِينَ عَنْ أَمْرِهِ يَدْخُلُونَ أَيْضًا مِنْ بَابِ أَحْرَى . فَهَذِهِ جُمْلَةٌ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى مَا بَقِيَ ، إِذْ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ فِيهَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْمَعْنَى كَثِيرٌ ، وَبَسْطُ مَعَانِيهَا طَوِيلٌ ، فلنقتصر على ما ذكرنا وبالله التوفيق .
--> = المؤلف ، ورواه الإمام الدارمي في مقدمة سننه ، باب في كراهية أخذ الرأي ( 1 / 79 ) ، ولفظه يقع في قرابة الصفحة . وأورد الإمام الهيثمي بعض روايات هذه القصة في مجمع الزوائد ( 1 / 186 ) . وسبب نقد ابن مسعود رضي الله عنه لهم هو فعلهم هذه العبادة على هيئة لم يفعلها رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أصحابه رضوان الله عليهم ، فبين ابن مسعود أن حالهم لا يخرج عن أحد أمرين : إما أنهم أفضل مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه ، وإما أنهم على ضلالة . وقد توسم ابن مسعود فيهم أنهم من الخوارج ، فكانوا كذلك ، حيث قاتلوا يوم النهروان مع الخوارج . انظر : سنن الدارمي ( 1 / 79 - 80 ) . ( 1 ) في ( ت ) : " فهم " . ( 2 ) في ( ت ) : " يتسللون منه " . ( 3 ) قال الإمام الشوكاني في فتح القدير : " التسلل الخروج في خفية . . ، واللواذ من الملاوذة ، وهو أن تستتر بشيء مخافة من يراك ، وفي الآية بيان ما كان يقع من المنافقين ، فإنهم كانوا يتسللون عن صلاة الجمعة متلاوذين ، ينضم بعضهم إلى بعض استتاراً من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم " . انظر : فتح القدير ( 4 / 58 ) ، وقال الإمام ابن الجوزي : " وقيل هذا كان في حفر الخندق ، كان المنافقون ينصرفون من غير أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مختفين " . انظر : زاد المسير ( 6 / 69 ) . ( 4 ) في ( ط ) : " وضع بدعة " . ( 5 ) سورة البقرة : آية ( 16 ) . ( 6 ) ما بين المعكوفين ساقط من جميع النسخ عدا ( غ ) و ( ر ) .