إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
196
الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني )
بيان ذلك بأمثلة ( 1 ) : منها أن يشرك ( 2 ) العقل مع الشرع في التشريع ( وهي طريقة أهل التحسين والتقبيح ، ولذلك يقولون إن العقل يستقل بالتشريع ) ( 3 ) ، وَإِنَّمَا يَأْتِي الشَّرْعُ ( 4 ) كَاشِفًا لِمَا اقْتَضَاهُ الْعَقْلُ ، فَيَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ حَكَّمَ هَؤُلَاءِ فِي التَّعَبُّدِ لِلَّهِ شَرْعَهُ أَمْ عُقُولَهُمْ ؟ بَلْ صَارَ الشَّرْعُ فِي نِحْلَتِهِمْ كَالتَّابِعِ الْمُعِينِ ( 5 ) ، لَا حَاكِمًا مُتَّبَعًا ، وَهَذَا هُوَ التَّشْرِيعُ الَّذِي لَمْ يَبْقَ لِلشَّرْعِ مَعَهُ أَصَالَةٌ ، فَكُلُّ مَا عَمِلَ هَذَا الْعَامِلُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ عَقْلُهُ ، وَإِنْ شَرَكَ الشَّرْعَ فَعَلَى حُكْمِ الشَّرِكَةِ ، لَا عَلَى إِفْرَادِ الشَّرْعِ ، فَلَا يَصِحُّ بِنَاءً عَلَى الدَّلِيلِ ( 6 ) الدَّالِّ عَلَى إِبْطَالِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ ، إِذْ هُوَ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْكَلَامِ ( 7 ) مِنْ مَشْهُورِ الْبِدَعِ ، وكل بدعة ضلالة ( 8 ) .
--> ( 1 ) في ( م ) و ( خ ) و ( ط ) : " أمثلة " . ( 2 ) في ( ت ) : " يتركب " وفي ( م ) و ( خ ) و ( ت ) : " يترك " ، والمثبت ما في ( غ ) و ( ر ) . ( 3 ) ما بين المعكوفين مثبت من ( غ ) و ( ر ) ، وهو ساقط من بقية النسخ . ( 4 ) الشين غير واضحة في ( ت ) . ( 5 ) ساقطة من ( ت ) . ( 6 ) كتبت مرتين في ( ت ) . ( 7 ) تقدم هذا الإطلاق للمؤلف ، وأنه يريد به علماء العقيدة والأولى استعمال لفظ أنسب لذم الكلام وأهله عند السلف . ( 8 ) وهذا القول هو قول المعتزلة والكرامية وغيرهم من أهل المذاهب ، فقد ذهبوا إلى أن حسن الأفعال وقبحها صفات ذاتية لها ، وأن الشرع ليس له دور إلا الكشف عن تلك الصفات ، ورتبوا على ذلك قولهم الباطل ، وهو أنه يجب على الله - سبحانه وتعالى - فعل ما استحسنه العقل ، ويحرم عليه سبحانه فعل ما استقبحه العقل ، وقد بنوا على ذلك نفيهم للقدر ، ولكن كثيراً ممن قال بالتحسين والتقبيح العقلي لم يقل بنفي القدر ، ولا التزم بما التزم به المعتزلة ، لكن القول بأنه لا يقبل لأصحاب هذا القول عمل فيه نظر . وقد ذهب الأشاعرة ومن تبعهم من أهل المذاهب إلى نفي التحسين والتقبيح العقليين ، وقالوا بأن حسن الأفعال وقبحها لا يعرف إلا بالشرع . ويلزم على قولهم لوازم فاسدة قد التزموها وقالوا بها كجواز ظهور المعجزة على يد الكاذب وأن ذلك ليس بقبيح ، وأنه يجوز نسبة الكذب إلى أصدق الصادقين ، وأنه لا يقبح منه ، وأنه يستوي التثليث والتوحيد قبل ورود الشرع . . وغير ذلك من اللوازم التي انبنت على أن هذه الأشياء لم تقبح بالعقل ، وإنما جهة قبحها السمع فقط . انظر مفتاح دار السعادة لابن القيم ( 2 / 42 ) . =