إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي

197

الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني )

وَمِنْهَا أَنَّ ( 1 ) الْمُسْتَحْسِنَ لِلْبِدَعِ يَلْزَمُهُ عَادَةً أَنْ يَكُونَ الشَّرْعُ عِنْدَهُ لَمْ يَكْمُلْ بَعْدُ ، فَلَا يَكُونُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } ( 2 ) مَعْنًى يُعْتَبَرُ بِهِ ( 3 ) عِنْدَهُمْ ، وَمُحْسِنُ الظَّنِّ مِنْهُمْ يَتَأَوَّلُهَا حَتَّى يُخْرِجَهَا عَنْ ظَاهِرِهَا . وَذَلِكَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْفِرَقَ الَّتِي تَبْتَدِعُ الْعِبَادَاتِ أَكْثَرُهَا مِمَّنْ يُكْثِرُ الزُّهْدَ وَالِانْقِطَاعَ وَالِانْفِرَادَ عَنِ الْخَلْقِ ، وَإِلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِمْ يَجْرِي أَغْمَارُ ( 4 ) الْعَوَامِّ ، وَالَّذِي يَلْزَمُ الْجَمَاعَةَ وَإِنْ كَانَ أَتْقَى خَلْقِ اللَّهِ لَا يُعِدُّونَهُ إِلَّا مِنَ الْعَامَّةِ . وَأَمَّا الْخَاصَّةُ فَهُمْ أَهْلُ تِلْكَ الزِّيَادَاتِ ، وَلِذَلِكَ تَجِدُ كَثِيرًا مِنَ المغترين بِهِمْ ، وَالْمَائِلِينَ إِلَى جِهَتِهِمْ ، يَزْدَرُونَ بِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ ( 5 ) لَمْ يَنْتَحِلْ مِثْلَ مَا انْتَحَلُوا ، وَيَعُدُّونَهُمْ مِنَ الْمَحْجُوبِينَ عَنْ أَنْوَارِهِمْ ، فَكُلُّ مَنْ يَعْتَقِدُ هَذَا الْمَعْنَى يَضْعُفُ فِي يَدِهِ قَانُونُ الشَّرْعِ الَّذِي ضَبَطَهُ السَّلَفُ الصَّالِحُ ، وَبَيَّنَ حُدُودَهُ الْفُقَهَاءُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ، إِذْ لَيْسَ هُوَ عِنْدَهُ فِي طريق السلوك بمنهض حتى يدخل مداخل

--> = وقد ذهب الأشاعرة بناء على هذا إلى نفي الحكمة عن الله تعالى ، ولكن من ذهب إلى نفي التحسين والتقبيح العقليين من غير الأشاعرة لم يقل بنفي الحكمة والأسباب . وقد توسط أهل السنة في هذه المسألة ، فقالوا بأن الحسن والقبح يدركان بالعقل ولكن ذلك لا يستلزم حكماً في فعل العبد ، بل يكون الفعل صالحاً لاستحقاق الأمر والنهي ، والثواب والعقاب من الحكيم الذي لا يأمر بنقيض ما أدرك العقل حسنه ، أو ينهى عن نقيض ما أدرك العقل قبحه ، عملاً في ذلك بمقتضى الحكمة التي هي صفة من صفاته سبحانه . . . وهذا قول عامة السلف وأكثر المسلمين . انظر هذه المسألة : فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ( 8 / 428 - 436 ) ، ( 11 / 676 - 677 ) ، درء تعارض العقل والنقل ( 8 / 492 ) ، مفتاح دار السعادة للإمام ابن القيم ( ص 334 - 446 ) ، شفاء العليل ( ص 391 - 434 ) ، مدارج السالكين ( 1 / 230 ) ، لوامع الأنوار البهية للسفاريني ( 1 / 284 ) ، حقيقة البدعة وأحكامها للأستاذ سعيد بن ناصر الغامدي ، وانظر قول المعتزلة في المغني للقاضي عبد الجبار ( 14 / 7 - 180 ) ، وقول الأشاعرة في المواقف للإيجي ( ص 323 ) ، والإرشاد للجويني ( ص 228 ) . ( 1 ) ساقطة من ( ت ) . ( 2 ) سورة المائدة : آية ( 3 ) . ( 3 ) ساقطة من ( ت ) . ( 4 ) في ( م ) و ( غ ) و ( ر ) : " غمار " ، قال في الصحاح : " والغمرة : الزحمة من الناس والماء ، والجمع غمار ، ودخلت في غمار الناس وغمار الناس ، يضم ويفتح ، أي في زحمتهم وكثرتهم . ورجل غمر : لم يجرب الأمور " . الصحاح للجوهري ( 2 / 772 - 773 ) . ( 5 ) في ( ت ) : " مثل من " .