إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
18
الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني )
{ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ } ( 1 ) ، وَلِيُنْجِزَ ( 2 ) اللَّهُ مَا وَعَدَ بِهِ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عَوْدِ وَصْفِ الْغُرْبَةِ إِلَيْهِ ، فَإِنَّ الْغُرْبَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا مَعَ فَقْدِ الْأَهْلِ أَوْ قِلَّتِهِمْ ، وَذَلِكَ حِينَ يَصِيرُ الْمَعْرُوفُ مُنْكَرًا ، وَالْمُنْكَرُ مَعْرُوفًا ، وَتَصِيرُ السُّنَّةُ بِدْعَةً ، وَالْبِدْعَةُ سُنَّةً ، فَيُقَامُ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ بِالتَّثْرِيبِ ( 3 ) وَالتَّعْنِيفِ ، كَمَا كَانَ أَوَّلًا يُقَامُ عَلَى أَهْلِ الْبِدْعَةِ ، طَمَعًا مِنَ الْمُبْتَدِعِ أَنْ تَجْتَمِعَ كَلِمَةُ الضَّلَالِ ، وَيَأْبَى اللَّهُ أَنْ تَجْتَمِعَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ، فَلَا تَجْتَمِعُ الْفِرَقُ كُلُّهُا - عَلَى كَثْرَتِهَا - عَلَى مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ عَادَةً وَسَمْعًا ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ تَثْبُتَ جَمَاعَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ ( 4 ) ، غَيْرَ أَنَّهُمْ - لِكَثْرَةِ مَا ( 5 ) تُنَاوِشُهُمُ ( 6 ) الْفِرَقُ الضَّالَّةُ ، وَتُنَاصِبُهُمُ ( 7 ) الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ ، اسْتِدْعَاءً إِلَى مُوَافَقَتِهِمْ - لَا يَزَالُونَ فِي جِهَادٍ وَنِزَاعٍ ، وَمُدَافَعَةٍ وَقِرَاعٍ ( 8 ) ، آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَبِذَلِكَ يُضَاعِفُ اللَّهُ لَهُمُ الْأَجْرَ الْجَزِيلَ ، وَيُثِيبُهُمْ الثَّوَابَ الْعَظِيمَ . فقد تلخّص مما تقدم أن مطالبة المخالف ( 9 ) بِالْمُوَافَقَةِ جارٍ مَعَ الْأَزْمَانِ لَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ ، فَمَنْ وَافَقَ فَهُوَ عِنْدَ الْمُطَالِبِ الْمُصِيبُ ( 10 ) عَلَى أَيِّ حالٍ كَانَ ، وَمَنْ خَالَفَ فَهُوَ الْمُخْطِئُ الْمُصَابُ ، وَمَنْ وَافَقَ فَهُوَ الْمَحْمُودُ السَّعِيدُ ، وَمَنْ خَالَفَ فَهُوَ الْمَذْمُومُ الْمَطْرُودُ ( 11 ) ، وَمَنْ وَافَقَ فَقَدْ سَلَكَ سَبِيلَ الْهِدَايَةِ ، وَمَنْ خَالَفَ فقد تاه في طرق ( 12 ) الضلالة ( 13 ) والغواية .
--> ( 1 ) سورة سبأ ، آية ( 13 ) . ( 2 ) في ( غ ) و ( ر ) : " وينجز " . ( 3 ) التثريب هو التعيير والاستقصاء في اللّوم ، وثرب عليه تثريباً قبح عليه فعله . الصحاح ( 1 / 92 ) . ( 4 ) صحت الأحاديث عن عدد من الصحابة في هذا المعنى ، بل صرّح عدد من العلماء بتواتر الحديث كابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم ( 1 / 69 ) ، والسيوطي في قطف الأزهار المتناثرة ( ص 216 ) ، وقد جمع الشيخ سلمان بن فهد العودة هذه الأحاديث ودرسها في كتابه صفة الغرباء ( ص 137 - 233 ) . ( 5 ) ساقطة من ( ت ) . ( 6 ) التناوش : التناول والانتياش مثله . انظر : اللسان ( 6 / 349 ) . ( 7 ) في ( ط ) : " تناضبهم " بالضاد . ( 8 ) في ( ر ) : " وخداع " . ( 9 ) في ( ت ) : " المخالفة " . ( 10 ) في ( ت ) : " مصيب " . ( 11 ) في ( ت ) : " الطريد " . ( 12 ) في ( ت ) : " طريق " . ( 13 ) في ( م ) : " الظلال " . وقد رسمت في جميع النسخ بالظاء ، وهو كالمنهج في هذه النسخ . وسوف لن أشير إلى هذا الخلاف إلاّ نادراً .