الثعالبي
95
لباب الآداب
كأنها نورٌ ، ضميره نارٌ ، راحٌ كالنور والنار أصفىَ من البلور ، ومن دَمع المهجور أرقّ من نسيم الصَّبا ، وأطيب من عهد الصِّبا ، أرق من دَمْع محبٍّ ، وشكوى صَبٍّ ، الكأسُ بلّورة ، والخمر ياقوتة ، الراحُ ترياقُ سمّ الهمّ . ساقٍ كأن الراح من خدِّه مَعْصور ، وملاحة الصورة عليه مقصورٌ ، دبت الكؤوس فيهم ، دبيب النار في الفحم ، والبُرء في السقم ، أشربَت الراح عُقولهم ، وملكت قلوبهم ، تَمشَت الصَّهباء في عظامهم ، وتمرقت إلى هامِهم ، وماست في أعطافِهم ، ومالَت بأطرافهم ، بلغوا حَدّاً يوجب الحَدَّ . الغناء والمُغنّي غناء كالغِنى بعد الفقر ، وهو عُذرٌ ، للسكر غناءٌ يبسط أسرّة الوجه ، ويرفع حجاب الأذن ، ويأخذ بمجامع القلب ، ويمتزج بأجزاءِ النفس ، غناءٌ يحرّك النفوس ، ويرقص الرؤوس ، ويُحرِّضُ الكؤوس ، قد سمعنا غناءً ، يُعيد الأموات أحياءً ، فلانٌ طبيب القلوب والأسماع ، ومُحْيي موات الخواطر والطباع ، القلوب من غنائه ، على خطر فكيف الجبوب ، وكأنه خلق من كلّ نفس فهو يغني كُلاَّ بما يشتهيهِ ، تهيئة السكر على صوته ، شهادة لغنائه في القلب ، موضع القطر في الجَدْبِ . في استهداءِ الشراب قد تألّف لي شمل إخوانٍ ، كاد يفترق بعوز المشروب فاعتمدنا فضلك المعهود ، وردنا بحرك المورود ، قد انتظمت مع نفرٍ من إخواني ، في سمط الثريا ، فإن لم تحافظ علينا النّظام ، بإهداء المدام ، صُرنا كبنات نَعْشٍ والسَّلام ، فرأيك في إرواء غُلتنا بما ينفعها ، والتطوّل على جماعتنا بما يجمعُها .