محمد دياب الإتليدي
92
إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء )
فقلت لأصحابي : افرشوا الفراش ، ففرش لي وجلست من الغد أرقبه ، وإذا هو قد أقبل وعليه بردان قد ائتزر بأحدهما وارتدى بالآخر ، حافي الرجلين ، ومعه عشرة معهم الحراب : ثلاثة يقدمونه وسبعة خلفه ، فاستصغرت أمره وسولت لي نفسي قتله ، فلما قرب إذا سواد عظيم ، قلت : ما هذا ؟ قالوا : الخيل . فوافى بها عشرة آلاف عنان ، ووافت الخيل عند دخوله فأحدقوا بنا ، فلما دخل جلس على الأرض ، قال : فقلت لترجمانه : لِمَ لمْ يقعد على الموضع الذي وطئ له ؟ فسأله ، فقال : قل له إنه ملك وكل ملك حقه أن يكون متواضعاً لله وعظمته إذ رفعه الله على عباده . ثم نكت بإصبعه الأرض طويلاً ورفع رأسه وقال : قل له كيف سلبتم هذا الملك ، فأخذ منكم وأنتم أقرب الناس إلى نبيكم ؟ فقلت : جاء من هو أقرب منا قرابة إليه ، فسلبنا وغلبنا وطردنا فخرجت إليك مستجيراً بالله ، ثم بك . قال : فلم كنتم تشربون الخمر وهو محرم عليكم ؟ قلت : فعل ذلك عبيد وأعاجم دخلوا في ديننا وفي ملكنا من غير رأينا . قال : فلم تركبون على الديباج وعلى خيولكم سروج الذهب والفضة وهي محرمة عليكم ؟ قلت : فعل ذلك عبيد وأعاجم دخلوا في ديننا وفي ملكنا بغير رأينا . قال : فلم كنتم إذا خرجتم إلى الصيد مررتم على القرى وكلفتم أهلها ما لا طاقة لهم به بالضرب والإهانة ولا يقنعكم ذلك حتى تحطموا زرعهم في طلب دراج قيمته نصف درهم ، والتكليف والعناء محرم عليكم ؟ قلت : فعل ذلك عبيد وغلمان وأتباع . قال : لا ! ولكنكم استحللتم ما حرم الله عليكم وأتيتم ما نهاكم الله عنه فسلبكم العز وألبسكم الذل ونصر أعداءكم عليكم ، ولله فيكم نقمة لم تبلغ غايتها بعد ، وإني أخاف أن تنزل بك النقمة إذ كنت من الظلمة فتشملني معك ، فإن النقمة إذا نزلت شملت ، فأخرج بعد ثلاث ، فإن وجدتك بعدها أخذت ما معك وقتلتك ومن معك . ثم وثب قائماً وخرج وقمت ثلاثاً ورجعت إلى مصر فأخذني عاملك وبعث بي إليك ، وها أنا ذا والموت أحب إلي من الحياة . فرق له المنصور وهم بإطلاقه ، فقال له إسماعيل بن علي : في عنقي بيعة هذا . قال : فما ترى ؟ قال : ينزل في دار من دورنا ويجري عليه ما يجري على مثله . ففعل به ذلك ، انتهى .