محمد دياب الإتليدي

64

إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء )

جابر عثرات الكرام قيل : كان في أيام سليمان رجل يقال له خزيمة بن بشر من بني أسد ، كان له مروءة ظاهرة ونعمة حسنة وفضل وبر بالإخوان ، فلم يزل على تلك الحالة حتى قعد به الدهر فاحتاج إلى إخوانه الذين كان يتفضل عليهم وكان يؤاسيهم ، فواسوه ثم ملوه ، فلما لاح له تغيرهم أتى امرأته وكانت ابنة عمه ، فقال لها : يا ابنة عمي ، قد رأيت من إخواني تغيراً ، وقد عزمت على أن ألزم بيتي إلى أن يأتيني الموت ، فأغلق بابه وأقام يتقوت بما عنده حتى نفد وبقي حائراً وكان يعرفه عكرمة الفياض الربعي متولي الجزيرة ، وإنما سمي بذلك لأجل كرمه ، فبينما هو في مجلسه إذ ذكر خزيمة بن بشر فقال عكرمة الفياض : ما حاله ؟ فقالوا : قد صار إلى أمر لا يوصف وإنه أغلق بابه ولزم بيته . قال : أفما وجد خزيمة بن بشر مواسياً ولا مكافئاً ؟ فقالوا : لا . فأمسك عن الكلام ثم لما كان الليل عمد إلى أربعة آلاف دينار فجعلها في كيس واحد ثم أمر بإسراج دابته وخرج سراً من أهله . فركب ومعه غلام من غلمانه يحمل المال . ثم سار حتى وقف بباب خزيمة فأخذ الكيس من الغلام ، ثم أبعده عنه وتقدم إلى الباب فدفعه بنفسه فخرج إليه خزيمة فناوله الكيس ، وقال : أصلح بهذا شأنك ، فتناوله فرآه ثقيلاً فوضعه عن يده ثم أمسك بلجام الدابة ، وقال له : من أنت ؟ جعلت فداك . فقال له عكرمة : يا هذا ما جئتك في هذا الوقت والساعة أريد أن تعفني ؟ قال : فما أقبله إلا أن عرفتني من أنت ؟ فقال : أنا جابر عثرات الكرام . قال : زدني . قال : لا . ثم مضى ودخل خزيمة بالكيس إلى ابنة عمه ، فقال لها : أبشري فقد أتى الله بالفرج والخير ولو كانت فلوساً فهي كثيرة . قومي فاسرجي . قالت : لا سبيل إلى السراج . فبات يلمسها بيده فيجد خشونة الدنانير ولا يصدق ، وأما عكرمة فإنه رجع إلى منزله فوجد امرأته قد فقدته وسألت عنه فأخبرت بركوبه فأنكرت ذلك وارتابت . وقالت له : والي الجزيرة يخرج بعد هدو من الليل منفرداً من غلمانه في سر من أهله إلا إلى زوجة أو سرية . فقال : اعلمي أني ما خرجت في واحدة منها .