محمد دياب الإتليدي
211
إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء )
المأمون وزنبيل بوران ويحكى عن إسحاق الموصلي أنه قال : خرجت ليلة من عند المأمون متوجهاً إلى بيتي ، فأحسست بالبول ، فعمدت لزقاق ، وقمت لأتمسح بالحيطان ، وإذا بزنبيل كبير بأربعة آذان ملبس ديباجاً ، فقلت : إن لهذا سبباً وبقيت متحيراً في أمره ، فحملني السكر وقال لي : اجلس فيه ، فجلست ، فلما أحس بي الذين كانوا يرقبونه جذبوه إلى رأس الحائط ، فإذا أنا بأربع جوار يقلن لي : انزل بالرحب والسعة ومشت بين يدي جارية بشمعة حتى نزلت إلى دار ومجالس مفروشة لم أر مثلها إلا في دار الخلافة فجلست ، فما شعرت بعد ساعة إلا بستور قد رفعت في ناحية من الجدران ، وإذا بوصائف يتمشين وفي أيديهن الشمع وبعض مجامر يحرق فيهن العود وبينهن جارية كأنها البدر الطالع ، فنهضت وقالت : مرحباً بك من زائر وجلست ، ثم سألتني عن خبري فقلت : انصرفت من عند بعض إخواني وغرني الوقت وحرقني البول ، فعمدت إلى هذا الزقاق ، فوجدت زنبيلاً معلقاً ، فحملني السكر على أن جلست فيه ، فإن كان خطأ فالنبيذ أكسبنيه . قالت : لا ضير ، وأرجو أن تحمد عاقبة أمرك ، ثم قالت : فما صناعتك ؟ قال : بزاراً ببغداد . فقالت : هل رويت من الأشعار شيئاً ؟ قلت : شيئاً ضعيفاً . قالت : فذاكرنا شيئاً . قلت : إن للداخل حشمةً ، ولكن تبدئين أنت . قالت : صدقت ، فأنشدتني شعراً لجماعة من القدماء والمحدثين من أجود أقاويلهم ، وأنا مستمع لا أدري مم أعجب من حسنها أم حسن روايتها ؟ ثم قالت : أذهب ما كان فيك من الحصر ؟ قلت : إي والله . قالت : فإن رأيت أن تنشدنا . فأنشدتها شيئاً لجماعة من القدماء ما فيه مقنع ، فاستحسنت ذلك ، ثم قالت : والله ما ظننت أنه يوجد في أبناء السوقة هذا ، ثم أمرت بالطعام فأحضر ، فجعلت تقطع وتضع قدامي ، وفي المجلس من صنوف الرياحين وغريب الفواكه ما لا يكون إلا عند السلطان ، ودعت بالشراب ، فشربت قدحاً ، ثم ناولتني قدحاً ، ثم قالت هذا أوان المذاكرة والأخبار ، فاندفعت أذاكرها وقلت : بلغني أن كذا وكذا ، وكان رجل يقال له كذا ، حتى أتيت على