محمد دياب الإتليدي
212
إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء )
عدة أخبار حسان ، فسرت بذلك وقالت : كثر تعجبي أن يكون أحد من التجار يحفظ مثل هذا ، وإنما هذه أحاديث ملوك . فقلت : كان لي جار يحادث الملوك وينادمهم ، وإذا تعطل حضرت معه فربما حدثت بما سمعت . فقالت : لعمري ، لقد أحسنت الحفظ وما هذه إلا قريحة جيدة . وأخذنا في المذاكرة ، إذا سكت ابتدأت هي ، وإذا سكتت ابتدأت أنا حتى قطعنا أكثر الليل وبخور العود يعبق ، وأنا في حالة لو توهمها المأمون لطار شوقاً إليها ، فقالت : إنك من أرف الرجال ، وضيء الوجه بارعٌ في الأدب وما بقي إلا شيء واحد ؟ قلت : وما هو ؟ قالت : لو كنت تترنم ببعض الأشعار ؟ قلت : والله لقديماً كنت ألفته ولم أرزقه وأعرضت عنه ، وفي قلبي من حرارة ، ولو كنت أحب في مثل هذا المجلس شيئاً منه لتكمل ليلتي . قالت : كأنك عرضت . فقلت : والله ما هو تعريض قد بدأت بالفضل ، وأنت جديرة بذلك . فأمرت بعود فحضر ، وغنت بصوت ما سمعت بحسنه مع حسن أدبها وجودة الضرب بالكمال الراجح ، ثم قالت : هل تعرف هذا الصوت ومن غنى به ؟ قلت : لا . قالت : الشعر لفلان والغناء لإسحاق . قلت : وإسحاق هذا جعلت فداك بهذه الصفة ؟ قالت : بخ بخ ! إسحاق بارع في هذا الشأن . فقلت : سبحان الله أعطي هذا الرجل ما لم يعطه أحد ؟ قالت : فكيف لو سمعت هذا الصوت منه . ثم لم تزل على ذلك حتى إذا كان الفجر أقبلت عجوزٌ كأنها داية لها ، وقالت : إن الوقت قد حضر ، فنهضت عند قولها ، فقالت : لتستر ما كنا فيه فإن المجالس بالأمانات . قلت : جعلت فداك لم أكن أحتاج إلى وصية في ذلك . فودعتها ، وجارية بني يدي إلى باب الدار ففتح لي فخرجت ورحت إلى داري ، فصليت الصبح ونمت ، فانتهى رسول المأمون غلي فسرت إليه وأقمت عنده نهاري ، فلما كان العشاء تفكرت في ما كنت فهي البارحة ، وهذا شيء لا يصبر عليه إلا جاهل ،