محمد دياب الإتليدي
161
إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء )
فقلت له : يا عبد الخير ، إن صاحب هذه الدار كان من أصدق الناس إلي فما فعل به الزمان ؟ فقال لي الغلام : يا مولاي هو في قيد الحياة . وهو يطلب الموت فلا يجده . فقلت له : بالله عليك خذ لي الطريق . فقال لي الغلام : يا مولاي من أقول . فقلت : قل الشيخ أبو الحسن الخليع الدمشقي المسامر . قال : فعبر الغلام وغاب ساعة وعاد وقال لي : بسم الله أدخل . ويقول له : يا مولاي الضارب ضارب والساكن ساكن لا برد ولا حمى ولا تشتكي غير سهر الليل وجريان الدمع ، لا يكون المولى إلا مسحوراً . فلما سمع الأمير عمرو كلام الطبيب بكى وأنشد يقول : قال الطبيب لقومي ، حين جس يدي : . . . هذا فتاكم ورب البيت مسحور فقلت : ويحك قد قاربت في صفتي . . . عين الصواب فهلا قلت مهجور ثم إنه ناوله كاغداً فيه بعض دنانير ، فأخذها الطبيب وانصرف ثم التفت الأمير عمرو إلي وقال : يا شيخ أبي الحسن أما تنظر إلى هذا الحال الذي وقعت فيه ؟ فقلت له : حاشاك من الأسوأ ما سبب ذلك ؟ قال : ما أعرف له سبباً إلا أن هجر الست بدور قد قتلني وحبها أضنى فؤادي . فقلت : يا مولاي ، بالعام الماضي تركتك أميراً ، واليوم أتيت لقيتك أسيراً فما السبب ؟ فقال الأمير عمرو : يا شيخ إني في ليلة من الليالي ركبت في الشط ، وقد شحنت مركبي من سائر الأزهار والفواكه والرياحين والطعام والمدام ، وأوقدت الشموع حتى صارت مثل ضوء النهار ، وقد غرقنا في البسط ، وبقينا في لعب وضحك إلى ثلث الليل الأول ، وإذ قد أقبل من صدر الشط مركب وهو يعزف بالطارات والدفوف ويضيء كضوء الشمس وفيه وهج عظيم ، فقلت للملاح : قدم بنا حتى نتفرج وننظر أينا أحسن تعبية مركبنا أو هذا المركب ؟ فمددت عيني فرأيت صاحبتي الست بدور ، وهي بين جواريها وغلمانها تلعب وتضحك ، وهي مثل اسمها ، اسم على مسمى ، فلما وقعت عيني عليها ، كأنما رمت في قلبي جمرة نار فقلت في نفسي : ما فارقت هذا الوجه المليح بذنب . ثم إني تذكرت العهد القديم الذي كان بيننا فلم أقدر أن اصبر ، فمدت يدي وأخذت تفاحة