محمد دياب الإتليدي

162

إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء )

ورميتها إلى الست بدور فالتفتت فرأتني . فقالت للملاح : ارجع بنا إلى البر ، نحن خرجنا هذه الليلة ننشرح ، فأرسل الله لنا هذا الفتى ينغص علينا عيشنا . فلما سمعتها تشتمني أضرمت النار في قلبي ثم قلت لنفسي : أنت كنت المطلوب فصرت الطالب ، فلم يهن لي عيش في هذه الليلة فقلت للملاح : ارجع إلى الشط . ثم إني نزلت ومضيت إلى منزلي وما ذقت طعم المنام . فلما أصبحت لم يقر لي قرار وصرت أترقب أن يأتي أحد من عندها ، ثلاثة أيام ، فلم يأت أحد فبعثت من يعرض بذكري لها ، فدعت عليهم وشتمتهم . فكتبت لها بعد ذلك ألف كتاب ، فلم ترد لي جواباً ، وقد رميت روحي على كل كبير في البصرة ، فيدخلون عليها فلم تقبل ولم تزدد إلا جفاء ، ولي مدة أنتظرك يا شيخ أبا الحسن حتى أبعث معك كتاباً وأنا أحلف لك إن هي ردت لك جوابه أعطيتك ألف دينار ، وإن لم ترد جوابه أعطيتك مائة دينار . فقلت له : اكتب ! . فدعا بدواة وقرطاس وكتب في أول الكتاب : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من متيم يشكو إليك الصبابة ويسألك بالله أن تردي جوابه . أما بعد ، فإنه يعجز لساني ويكل جناني مما أنا فيه من طول السهر ودوام الفكر ، وبكى لبكائي أصم الحجر فألف ألفٍ لا أوحش الله منك والسلام عليك . ثم ختم الكتاب وناولني إياه فأخذته وأتيت به إلى دار الست بدور ، فلقيت الباب على غير تلك الحالة الأولى عليه ستر مرخي وبواب وخادم . فقلت : لا إله إلا الله ، كان هذا الباب بالأمس خالياً من الأصحاب ، واليوم عليه خادم وبواب ، ثم إني تقدمت إلى الخادم ، وقلت له : قم يا ولدي ادخل واستأذن على مولاتك الست بدور وقل لها : الشيخ أبو الحسن الخليع الدمشقي قد أتى ويطلب المثول بين يديك . فغاب الخادم ثم عاد مسرعاً وقال : بسم الله ادخل . فدخلت الدهليز فسمعت الست بدور وهي تقول : ولأصبرن على الزمان وجوره . . . حتى يعود كما أريد وأشتهي قال : فلما دخلت رأيتها قاعدة على حافة البركة ، وبين يديها جارية تروح لها ، فتقدمت وقبلت يدها وجلست فنظرت ، وإذا عليها غلالة لازوردية ، وجميع جسدها بائن من تحت الغلالة كأنه عمود مرمر ، وعلى الغلالة مكتوب هذا البيات :