محمد دياب الإتليدي
155
إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء )
فنعم الدار أنت لكل ضيفٍ . . . إذا ما ضاق بالضيف المكانُ قال : فقلت في نفسي ، من هذه الدار أشرب الماء ، فأتيت إلى الباب فسمعت صوتاً ضعيفاً من فؤاد نحيف ، وقائلاً يقول : بالله ربكما عوجا على سكني . . . وعاتباه لعل العتب يعطفه وعرضاً بي وقولاً في حديثكما . . . ما بال عبدك بالهجران تتلفه فإن تبسم قولا في ملاطفةٍ . . . ما ضر لو بوصالٍ منك تسعفه وإن بدا لكما في وجهه غضبٌ . . . فغالطاه وقولا ليس نعرفه قال : فقلت ، يا حبذا إن كان قائل هذا الصوت شخصاً صورته على قدر صوته واحتشمت ، ثم إني قويت قلبي ورفعت الستر ودخلت الدهليز إلى أن انتهيت إلى آخره ومديت طرفي ، وإذا أنا بدار قد أقبلت عليها السعادة ، وزالت عنها الشقاوة ، ورأيت في صدر ذلك المكان إيواناً وبركة وشاذرواناً ، وفي ذلك الإيوان تخت من السياج ، وقوائمه من العاج ، ومصفح بالذهب الوهاج ، وفوق التخت فراش من الحرير الأطلس ، ومسند مزركش ، وعليه جارية نائمة خماسية القد ، قائمة النهد لا بالطويلة الشاهقة ولا بالقصيرة اللاصقة ، أشهر من علم ، تربية العجم على أكتاف الخدم ، بخد أسيل ، وطرف كحيل ، وخصر نحيل ، وردف ثقيل ، إن أقبلت فتنت ، وإن ولت قتلت ، كما قال فيها بعض واصفيها : كما اشتهت خلقت حتى إذا اعتدلت . . . في قالب الحسن لا طول ولا قصر جرى بها الشحم حتى دار أعكنها . . . طي القباطي فلا سمن ولا غور كأنها أفرغت من ماء لؤلؤةٍ . . . في كل جارحة من حسنها قمر إلا أن الجارية ، يا أمير المؤمنين ، قد حكمت عليها يد الأيام ونزلت بها جميع الأسقام وعند رأسها طبيب ، وهو يجس يدها ويقول : يا ست بدور ، الضارب ضارب والساكن ساكن ولا برد ولا حمى ولا شيء تشتكينه أكثر من سهر الليل وجريان الدمع لعل الست في قلبها هوى من أحد ، فلما سمعت كلام الطبيب أنشدت تقول : إذا هممت بكتمان الهوى نطقت . . . مدامعي بالذي أخفي من الألم فإن أبح افتضح من غير منفعة . . . وإن كتمت فدمعي غير منكتم لكن إلى الله أشكو ما أكابده . . . من طول وجد ودمع غير منصرم قال : فنهض الطبيب قائماً على قدميه فناولته صرة فيها عشرون ديناراً ، ثم التفتت