محمد دياب الإتليدي
150
إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء )
فأعجب الرشيد ذلك أكثر من الأول ، فقال : أذنت لك . فأوجب القاضي النكاح ، ثم قبله المملوك ، فقال له القاضي طلقها . فقال له : هذه صارت لي زوجة وأنا لا أطلقها . فردد عليه القول فأبى وضاق صدر الخليفة لذلك ، وقال : قد اشتد الأمر أعظم مما كان . فقال القاضي أبو يوسف : يا أمير المؤمنين رغبه بالمال . فقال : طلقها ولك مائة دينار . قال : لا أفعل . قال : مائتا دينار . قال : لا أفعل . إلى أن عرضوا عليه ألف دينار وهو يمتنع ، وقال القاضي : الطلاق بيدي أم بيد أمير المؤمنين أم بيدك ؟ قال : بل بيدك أنت . قال : والله لا أفعل أبداً . فاشتد غضب أمير المؤمنين ، فقال القاضي : يا أمير المؤمنين لا تجزع فإن الأمر هين اعتق الجارية ، ثم ملك هذا العبد للجارية ؟ قال : أعتقتها وملكته لها . فقال لها القاضي : قولي قبلت ؟ فقالت : قبلت . فقال القاضي : حكمت بالتفريق بينكما لأنه دخل في ملكها فانفسخ النكاح . فقام أمير المؤمنين على قدميه ، وقال : مثلك من يكون قاضياً في زماني . وستدعى بأطباق الذهب فأفرغت بين يديه ، وقال للقاضي : هل معك شيء توعيه ؟ فتذكر مخلاة البغلة . فاستدعى بها ، فملئت له ذهباً ، فأخذها وانصرف . فلما أصبح قال لخلانه : انظروا إلى من علم العلم فليتعلمه كذلك ، فإني أعطيت هذا المال العظيم في مسألتين أو ثلاث . فانظر أيها المتأدب إلى لطف هذه الواقعة فإنها اشتملت على محاسن منها إدلال الوزير على قلب أمير المؤمنين وحلم الخليفة ، وزيادة علم القاضي فرحم الله أرواحهم أجمعين .