محمد دياب الإتليدي
141
إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء )
قال : فصرخ الشاب وشق ما عليه من الثياب فأخوا عليه البشخانة وأتوا ببذلة غيرها ، وعاد إلى حالته مع ندمائه ودارت الأقداح وطاب الانشراح ، فلما وصل القدح إليه ضرب القضيب على المدورة ، ففتح باب وخرج منه خادم حامل كرسياً وخلفه جارية فجلست على الكرسي ، وأخذت العود وغنت تقول : هل ينقضي حال التهاجر والقلى . . . ويعود لي ما قد تقضى أولا أيام كنا والديار تلمنا . . . في طيب عيش والحواسد غفلا غدر الزمان بنا وفرق شملنا . . . من بعد هاتيك المنازل والحلا أتروم مني يا عذولي سلوةً . . . وأرى فؤادي لا يطيع العذلا فدع الملام وخلني بصبابتي . . . فالقلب من أنس المحبة ما خلا يا سادة نقضوا العهود وبدلوا . . . لا تحسبوا قلبي لبعدكم سلا قال : فلما فرغت الجارية صرخ الشاب صرخةً عظيمة ، وشق ما عليه من الثياب ، ووقع إلى الأرض مغشياً عليه ، وسقط منه القوى والحبل ، فأرادوا أن يرخوا عليه البشخانة على العادة ، فتعوقت حبالها بالإرادة ، فلاحت من هارون الرشيد التفاتة فنظر على أجناب الشاب أثر مقارع ، فقال الرشيد بعد النظر والتأكد لجعفر : إنه شاب مليح إلا أنه لص قبيح ، وما عند أحد منه خبر . هل رأيت ما على جنبيه من الأثر . وقد أسبلت البشخانة عليه على العادة وأتي ببذلة غيرها فلبسها وقد أفاق من غشيته فاستوى جالساً على العادة مع الندماء ، فحانت منه التفاتة فوجد جعفراً والخليفة يتحدثان ، فقال لهما : ما الخبر يا فتيان ؟ فقال جعفر : يا مولاي خير ، لا شك ولا خفاء ، إن رفيقي هذا من التجار الكبار ، وسافر إلى جميع الأمصار ، وصحب الملوك والأخبار ، قال : إن الذي حصل من مولانا الخليفة في هذه الليلة إسراف عظيم لم أر أحداً فعل هذا الفعل في هذه الأقاليم لأنه شق كل بذلة بخمسمائة دينار ، وهذا شيء زائد في العيار . فقال الشاب : يا هذا ! المال مالي والقماش قماشي ، وهذا من بعض إنعامي على الخدم والحواشي ، فإن كل بذلة شققتها هي لواحد من الندماء الحضار ، وقد رسمت لهم أن العوض على كل بذلة خمسمائة دينا . فأنشد عند ذلك الوزير جعفر وقال : بنت المكارم وسط كفك منزلاً . . . فجميع مالك للأنام مباح وإذا المكارم أغلقت أبوابها . . . يوماً ، فأنت لقفلها مفتاح