محمد دياب الإتليدي

127

إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء )

إسحاق الموصلي وإبليس قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي : بينما أنا ذات يوم في منزلي ، وكان زمن الشتاء ، وقد انتشرت السحب وتراكمت الأمطار بقطر كأفواه القرب ، وامتنع الغادي والمقبل من المسير في الطرقات لما فيها من الأمطار والوحل ، وأنا ضيق الصدر إذ لم يأتني أحد من إخواني ، ولم أقدر على المسير إليهم من شدة الوحل والطين ، فقلت لغلامي : أحضر لي ما أتشاغل به ، فأحضر لي طعاماً وشراباً فتنغصت إذ لم يكن معي من يؤانسني ، ولم أزل أتطلع من الطاقات وأراقب الطرقات ، وأقبل الليل فتذكرت جارية لبعض أولاد المهدي كنت أهواها . وكانت عارفة بالغناء وتحريك الملاهي . فقلت في نفسي : لو كانت الليلة عندنا لتم سروري وطابت ليلتي مما أنا فيه من الفكر والقلق وإذا بداق يدق الباب وهو يقول : أيدخل محبوب على الباب واقف . فقلت في نفسي : لعل غرس التمني أثمر . فقمت إلى الباب ، فإذا بصاحبتي وعليها مرط أخضر قد اتشحت به وعلى رأسها وقاية من الديباج تقيها من المطر . وقد غرقت في الطين إلى ركبتيها وابتل ما عليها من المزاريب ، وهي في حال عجيب فقلت لها : يا سيدتي ، ما الذي أتى بك في مثل هذه الأوحال . فقالت : قاصدك جاءني ووصف ما عندك من الصبابة والشوق ، فلم يسعني إلا الإجابة والإسراع نحوك . فعجبت من ذلك وكرهت أن أقول لها إني لم أرسل إليك أحداً . فقلت : أحمد الله على جمع الشمل بعدما قاسيت من ألم الصبر ، ولو كنت أبطأت علي ساعة كنت أحق بالسعي إليك ، فإني كثير الصبابة نحوك . ثم قلت لغلامي : هات الماء . فقبل بسخانة فيها ماء حار حتى أصلح لها حالها ثم أمرته أن يصب الماء على رجليها وتوليت غسلهما . ثم دعوت ببذلة من أفخر الملبوس فألبستها إياها بعد أن نزعت ما كان عليها ، وجلسنا ثم استدعيت بالطعام فأبت ، فقلت : هل لك في الشراب ؟ فقالت : نعم . فتناولت أقداحاً ثم قالت : من يغني لي ؟ فقلت لها : أنا يا سيدتي . فقالت : لا أحب . فقلت : بعض جواري . قالت : لا أريد .