محمد دياب الإتليدي

126

إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء )

فقال : فجعت في ابنة عمي في هذه الليلة لأنها كانت توجهت إلينا كعادتها إذ عرض لها في طريقها أسد فافترسها ولم يبق منها إلا ما ترى . ثم إنه طرح ما كان على يده . فإذا هو مشاش الجارية وما فضل من عظامها . ثم بكى بكاء شديداً ورمى الترس من يده وأخذ كساء على يده ثم قال لي : لا تبرح إلى أن آتيك إن شاء الله تعالى . : ثم سار فغاب عني ساعة ثم عاد وبيده رأس الأسد فطرحه عن يده ثم طلب ماء فأتيته به فغسل فم الأسد وجعل يقبله ويبكي ويئن وزاد حزنه عليها وأنشد يقول : ألا أيها الليث المدل بنفسه . . . هلكت لقد هيجت لي بعدها شجنا وصيرتني فرداً وقد كنت إلفها . . . وصيرت بطن الأرض لي ولها وطنا أقول لدهر خانني بفراقها . . . وغار عليها أن أكن لها حزنا ثم قال : يا ابن العم ، سلتك بالله وبحق القرابة والرحم التي بيني وبينك إلا حفظت وصيتي ؟ إنك ستراني الساعة ميتاً بين يديك ، فإذا كان كذلك ، فغسلني وكفني أنا وهذا الفاضل من مشاش الجارية في هذا الثوب وادفنا في قبر واحد واكتب على قبرنا هذه الأبيات ، وأنشد يقول : كنا على ظهرها ، والعيش في رغد . . . والشمل مجتمع والدار والوطن ففرق الدهر والتصريف ألفتنا . . . وصار يجمعنا في بطنها الكفن قال : ثم بكى بكاء شديداً . ثم دخل المضرب وغاب عني ساعة وخرج وجعل يتنهد ويصيح ثم شهق شهقة فارق الدنيا ، فلما رأيت ذلك منه عظم علي وكبر عندي حتى كدت ألحق به من شدت حزني عليه ، ثم تقدمت إليه وفعلت به ما أمرني من الغسل وكفنتهما جميعاً ودفنتهما في قبر واحد ، وأقمت عند قبرهما ثلاث أيام ثم ارتحلت وأقمت سنين أتردد إلى زيارتهما . وهذا ما كان من حديثهما ، يا أمير المؤمنين قال : فلما سمع الرشيد كلامه استحسنه وخلع عليه وأجازه جائزة حسنة ، والله أعلم .