محمد بن أحمد بن فورجة ( ابن فورجة )

156

الفتح على أبي الفتح

فلقائل أن يقول : كيف يبدو البكاء إذا لم يجر دمعه . وعن هذا السؤال جوابان : أحدهما : إنه يعني ما في صوته إذا تكلم عن نغمة الحزن ، وشجو الباكي ، والزفير والتهيؤ للبكاء . والجواب الثاني أن يكون بكاك عطفاً على الضمير في صبرت ، كأنه يقول : صبرت وصبر بكاك فلم يجر دمعك ، أو لم تصبر فجرى دمعك . وهذا أجود الجوابين وقوله فيها : تَعِسَ المهاري غيرَ مهرّي غداً . . . بمصور لبس الحرير مصورا نافستُ فيه صورةً في ستره . . . لو كُنتها لخفيتُ حتى يظهرا قوله : بمصور أي بإنسان كأنه صورة من حسنه لبس الديباج المصور . دعا على الإبل كلها إلا هذا البعير الذي عليه المحبوب . وكذلك الهاء في ( ستره ) كأنه دون هذا المحبوب ستر عليه صورة . فهو ينافسها على قربها منه ثم قال : لو كنت هذه الصورة لحفيت حتى يظهر للرائين لكن هذا الستر ليس بخفي . وقد اعترض عليه من لا أعلم له بطريقة الشعر ، فقال : حقيقة هذا المعنى غير متصورة ، إذ لو كان المتنبي تلك الصورة فخفي ليظهر لكان ظهوره للناس مما لا يفيد أبا الطيب وإنما ظهوره للناس مفيد ، وهو فيهم ليراه ، وقائل هذا لا معرفة له بطرق المعاني إذ كان الشاعر أن يتمنى المحالات ، على أن أبا الطيب لا يتمنى محالا وإنما رأى ستراً يحول بينه وبين حبيبته فقال : لو كنت مكان ذلك الستر لخفيت حتى يظهر ذلك المحبوب ، ولم يتمن أن يظهر له أو لغيره بل يتمنى ظهوره فقط . والفائدة نزهة الأبصار في رؤيته .