عبد اللطيف البغدادي
6
الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر
ومنها أن أرضها رمليةٌ لا تصلُح للزراعة ، لكنه يأتيها طين أسود عَلك فيه دسومةٌ كثيرةٌ يسمّى الإبليز ، يأتيها من بلاد السودان مختلطاً بماء النيل عند مدّه فيستقر الطين وينضب الماء فيُحرث ويزرع ، وكلّ سنةٍ يأتيها طينٌ جديد ، ولهذا يزرع جميع أراضيها ولا يُراح شيءٌ منها كما يُفعل في العراق والشام ، لكنها يخالف عليها الأصناف ، وقد لحظت العرب ذلك فإنها تقول : إذا كثرت الرياح جادت الحراثة ، لأنها تجيء بترابٍ غريب ، وتقول أيضا : إذا كثُرت المؤتفكات زكا الزرع ، ولهذه العلة تكون أرضُ الصعيد زكية كثيرة الأتاء والرَّيع إذا كانت أقرب إلى المبدأ ، فيحصل فيها من هذا الطين مقدار كثير بخلاف أسفل الأرض ، فإنها أسافة مضوية إذا كانت رقيقة ضعيفة الطين ، لأنه يأتيها الماء وقد راق وصفا ، ولا أعرف شبيها بذلك إلّا ما حُكي لي عن بعض جبال الإقليم الأول ، أن الرياح تأتيه وقت الزراعة بتراب كثير ، ثم يقع عليه المطر فيتلبَّدُ فيُحرث ويُزرع ، فإذا حصد ، جاءته رياح أخرى فنسفته حتى يعود أجود كما كان أوّلاً ، ومنها أن الفصول بها متغيِّرةٌ عن طبيعتها التي لها فإنَّ أخصَّ الأوقاتِ باليُبس في سائر البلاد ، أعني الصيف والخريف تكثر فيه الرطوبة بمصر بمدِّ نيلها وفيضِه لأنّه يمد في الصيف ويطبق الأرض في الخريف . فأمّا سائر البلاد فأنّ مياهها تنشُّ في هذا الأوان ، وتغزرُ في أخصِّ الأوقات بالرطوبة - أعني الشتاء والربيع - ومصر إذ ذاكَ تكونُ في غاية القحولة واليُبس ولهذه العلة تكثر عفونتها واختلافُ هوائها وتغلُب على أهلها الأمراضُ العفنيّة الحادثة عن أخلاطٍ صفراويةٍ وبلغميّة ، وقلّما تجدُ فيهم أمراضا صفراوية خالصة ، بل الغالب عليهم البلغم حتّى في الشباب والمحرورين ، وكثيرا ما يكون مع الصفر أخام ، وأكثر أمراضهم في آخر الخريف وأول الشتاء لكنها يغلبُ عليها حميد العاقبة ، وتقلُّ فيهم الأمراض الحادة والدموية الوحية ، وأما أصحّاؤُهم فيغلبُ عليهم الترهُّل والكسل وشحوب اللون وكمودته ، وقلَّما ترى فيهم مشبوبَ اللونِ ظاهر الدَّم ، وأما صِبيانُهم فضاوون يغلب عليهم الدَّمامةُ وقلَّة النضارة وإنّما تحدثُ لهم البدانةُ والقسامة غالبا بعد العشرين . وأما ذكاؤهم وتوقُّدُ أذهانهم وخفَّة حركاتهم ، فلحرارة بلدِهم الذاتية لأنَّ رطوبته عرضية ، ولهذا كان أهل الصعيد أفحل جسوماً وأجفُّ أمزجة ، والغالب عليهم السمرة وكان ساكنو الفسطاط إلى دمياط أرطب أبداناً ، والغالب عليهم البياض ،