عبد اللطيف البغدادي

7

الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر

ولمّا رأى قدماءُ المصريين أنّ عمارة أرضهم إنّما هي بنيلِها ، جعلوا أوّل سنتهم أولّ الخريف وذلك عند بلوغ النيل الغاية القصوى من الزيادة . ومنها أن الصَّبا محجوبة عنهم بجبلها الشرقي المسمَّى المقطَّم ، فإنَّه يستر عنها هذه الريح الفاضلة وقلّما تهبُّ عليهم خالصةً اللهمَّ إلّا نكباً ، ولهذا اختار قدماء المصريين أن يجعلوا مستقر الملك منَف ونحوها مما يبعد عن هذا الجبل الشرقي إلى الغربي واختار الروم الإسكندرية وتجنَّبوا موضع الفسطاط ، لقربه من المقطَّم فإنَّ الجبل يسترُ عما في لِحْفِه أكثر ممَّا يستر عما بعُدَ منه ، ثم إنَّ الشمس يتأخَّر طلوعها عليهم فيقلّ في هوائهم النضجُ ويبقى زمانا على نهوة الليل ، ولذلك تجد المواضعَ المنكشفة للصَّبا من أرض مصر أحسن حالاً من غيرها ولكثرَة رطوبتها يتسارع العفنُ إليها ، ويكثرُ فيها الفأرُ ويتولَّد من الطين والعقارب وتكثر بقوص كثيراً ما تقتل بلبسها والبقُّ المنتنُ والذبابُ والبراغيثُ تدوم زماناً طويلا . ومنها أن الجنوب إذا هبَّت عندهم في الشتاء والربيع وفيما بعد ذلك ، كانت باردة جداَ ويسمونها المريسي لمرورها على أرض المريس وهي من بلاد السودان ، وسبب بردها ، مرورها على بِرَكٍ ونقائع ، والدليل على صحّة ذلك أنّها إذا دامت أيّاما متوالية ، عادت إلى حرارتها الطبيعية وأسخنت الهواء وأحدثت فيه يَبساً . الفصل الثاني فيما تختص به من النبات من ذلك البامية وهي ثمر بقدر إبهام اليد كأنَّه جرأ القثاء شديد الخضرة ، إلّا أن عليه زيبر مشوكاً وهو مخمَّس الشكل ، يحيط به خمسة أضلاع فإذا شق أنشقَّ عن خمسةِ أبياتٍ بينها حواجز ، وفي تلك الأبيات حبٌّ مصطفٌّ مستديرٌ أبيض ، أصفر من اللوبيا هشٌّ يضرِبُ إلى الحلاوة وفيه قبضٌ ولعابية كثيرةٌ يَطبخُ أهل مصر به اللّحم بأن يقطَّع مع قشوره صغارا ويكونُ طعاماً لا بأس به ، الغالب على طبعه الحرارة والرطوبة ، ولا يظهر في طبيخه قبضٌ بل لزوجة . ومن ذلك الملوخية ويسمِّيها الأطباء الملوكية ، ولعمري هي الخبازى البستاني ، والخطمي أيضا نوع من الخبَّازى البري ، والملوخية أشدُّ مائيَّة ورطوبةً من الخبَّازى وهي باردة