عبد اللطيف البغدادي

5

الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر

المقالة الأولى وهى ستة فصول الفصل الأول في خواص مصر العامة لها إنَّ أرض مصر من البلاد العجيبة الآثار ، الغريبة الأخبار ، وهي وادٍ يكتنفه جبلان شرقيّ وغربيّ ، والشرقيّ أعظمهما يبتديان من أسوان ويتقاربان بأسنا حتى يكادا يتماسان ، ثم ينفرجان قليلا قليلا ، وكلّما امتدّا طولا انفرجا عَرضاً ، حتى إذا حاذيا الفسطاط كان بينهما مسافة يوم فما دونه ، ثم يتباعدان أكثر من ذلك والنيلُ ينسابُ بينهما ويتشعَّب بأسافل الأرض وجميعُ شُعَبه تصبُّ في البحر المالح ، وهذا النيل له خاصتان : الأولى ، بُعد مرماه ، فإنّا لا نعلم في المعمورة نهراً أبعد مسافةً منه ، لأنّ مباديه عيونٌ تأتي من جبل القمر وزعموا أن هذا الجبل وراء خط الاستواء بإحدى عشرة درجة ، وعرض أسوان وهي مبدأ أرض مصر اثنتان وعشرون درجة ونصف درجة ، وعرض دمياط وهي أقصى أرض مصر إحدى وثلاثون درجة وثلث درجة ، فتكون مسافة النيل على خط مستقيمٍ ثلاثاً وأربعين درجة تنقص سُدسا ومساحة ذلك تقريبا تسعمائة فرسخ ، هذا سِوى ما يأخذ من التعريج والتوريب فإن اعتُبر ذلك تضاعفت المساحة جداً . والخاصة الثانية ، أنه يزيد عند نضوب سائر الأنهار ونشيش المياه ، لأنه يبتدئ بالزيادة عند انتهاء طول النهار وتتناهى زيادته عند الاعتدال الخريفي ، وحينئذ تُفتح التُّرع وتفيضُ على الأراضي ، وعلَّة ذلك أنَّ موادَّ زيادته أمطار غزيرةٌ دائمةٌ وسيولٌ متواصلةٌ تمدُّه في هذا الأوان ، فأنَّ أمطار الإقليم الأول والثاني إنّما تغزُر في الصيف والقيظ . وأما أرض مصر فلها أيضا خواصٌّ منها ، أنه لا يقع بها مطر إلّا ما لا احتفال به وخصوصا صعيدها ، فأمّا أسافلها فقد يقع بها مطرٌ جود لكنه لا يفي بحاجة الزراعة ، وأمّا دمياط والإسكندرية وما داناهما فهي غزيرةُ المطر ومنه يشربون وليس بأرض مصر عينٌ ولا نهرٌ سوى نيلها .