عبد اللطيف البغدادي

35

الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر

في تخريبه ويبالغون في تهديمه ويُفسدون صور الأصنام إفسادَ من يرجو عندها المال ويخاف منها التلف ، وينقِّبون الأحجار نقْبَ مَن لا يتمارى أنها صناديقُ مقفلة على ذخائر ويسربون في فطور الجبال سروب متلصِّصٍ قد أتى البيوت من غير أبوابها وانتهز فرصة لم يشعر غيره بها . وهذه الفطور منها ما يدخل حبواً ومنها ما يدخل زحفاً ، ومنها ما يدخل سحباً على الوجوه ومنها مضايق لا ينسحب فيها إلّا الضرب الضئيل وأكثر ذلك إنما هو فطور طبيعة الجبال . ومن كان من هؤلاء له مالٌ أضاعه في ذلك ، ومن كان فقيراً قصد بعض المياسير وقويَ طمعه وقرُب أمله بأَيمانٍ يحلِفها له وعلوم يزعم أنه استأثر بها دونه علامات يدّعي أنه شاهدها حتى يخسر ذلك عقله وماله ، وما أقبح بعد ذلك مآله ! . ومما يقوي أطماعهم ويديم إصرارهم أنهم يجدون نواويس تحت الأرض فسيحةَ الأرجاء مُحكمة البناء ، وفيها من موتى القدماء الجمَّ الغفير والعدد الكثير ، قد لُفُّوا بأكفانٍ من ثياب القنَّب لعلّه يكون على الميّت منها زُهاء ألفِ ذراع ، وقد كُفِّن كل عضو على انفراده ، كاليد والرجل والإصبع في قِطَعٍ دِقاق ، ثم بعد ذلك تُلفُّ جثة الميّت جملةً حتى يرجع الحمل العظيم ، ومن كان يتتبَّع هذه النواويس من الأعراب وأهل الريف وغيرهم ، يأخذ هذه الأكفان فما وجد فيه تماسكاً ، اتّخذه ثياباً أو باعه للوراقين يعملون منه ورق العطارين ، ويوجد بعض موتاهم في توابيت من خشب الجميز ثخين ، ويوجد بعضهم في نواويس من حجارة إما رخام وإما صوّان وبعضهم في أزيارٍ مملوءةٍ عسلا ، وخبّرني الثقةُ أنهم بينما كانوا يتقفّون المطالب عند الأهرام ، صادفوا دنّاً مختوماً ففضُّوه فإذا به عسل ، فأكلوا منه فعلق في إصبع أحدهم شعر فجذبه فظهر له صبي صغير متماسك الأعضاء رطب البدن عليه شيء من الحُلي والجوهر ، وهؤلاء الموتى قد يوجد على جباههم وعيونهم وأنوفهم ورق من الذهب كالقِشر ، وقد يوجد منه أيضا على فرج المرأة وربما وُجد قشر من الذهب على جميع الميت كالغشاء ، وربما وجد عنده شيء من الذهب والحلي والجوهر ، وربما وجد عنده آلته التي كأن يزاول بها العمل في حياته ، وخبرني الثقة أنه وجد عند ميّتٍ منهم آلةَ مزيّن ، مِسنّاً وموسى ، وعند آخر آلة الحِجام ، وعند آخر آلة الحائك ، ويظهر من حالهم أنه قد كان