عبد اللطيف البغدادي

36

الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر

من سنَّتِهم أن يدفنوا مع الرجل آلته وماله . وسمعت أن طوائف من الحبشة هذه سنَّتهم يتطيّرون بمتاع الميت أن يَمّسوه أو يتصرفوا فيه وكان لنا قريب دخل الحبشة واكتسب مالاً منه مائتا أوقية من الذهب ، وأنه لما مات أكرهوا رجلا مصريا كان معه على أخذ ماله فأخذه ممتنّاً عليهم . وقد كان من سنتهم ، والله أعلم ، أن يُجعل مع الميت شيء من الذهب ، فخبرني بعض قضاة بوصير وهي مجاورةٌ لمدافنهم أنهم نبشوا ثلاثة قبور فوجدوا على كل ميِّتٍ قشرا رفيعا من الذهب لا يكاد يجتمع فيه ، وفي كل منها سبيكة من الذهب فجمع السبائك الثلاث فكان وزنها تسعة مثاقيل ، والحكايات في ذلك أوسع من أن يحصرها هذا الكتاب . وأما ما يوجد في أجوافهم وأدمغتهم من الشيء الذي يسمونه موميا فكثير جدا ، يجلبه أهل الريف إلى المدينة ويُباع بالشيء النزر ولقد اشتريت ثلاثة رؤوس مملوءة منه بنصف درهم مصري . وأراني بائعه جولقا مملوءا من ذلك فيه الصدر والبطن وحشوه من هذا الموميا ، ورأيته قد داخل العظام وتشربته وسرى فيها حتى صارت كأنها جزء منه ، ورأيت أيضا على قحف الرأس أثر ثوب الكفن وأثر النساجة قد أنتقش فيه كما يرسم على الشمع إذا ختمت به على ثوب وهذا المومياء هو أسود كالقار ، ورأيته إذا اشتد عليه حر الصيف يجري ويلصق بما يدنو منه ، وإذا طرح على الجمر غلي ودخن منه رائحة القار أو الزفت ، والغالب أنه زفت ومر . وأما الموميا بالحقيقي فشئ ينحدر من رؤوس الجبال مع المياه ، ثم يجمد كالقار ويفوح منه رائحة زفت مخلوط بمر ، وقال جالينوس : الموميا يخرج من العيون كالقار والنفط ، وقال غيره : هو صنف من القار ويسمى حيض الجبال ، وهذا الذي يوجد في تجاويف الموتى بمصر لا يبعد عن طباع الموميا وأن يستعمل بدله إذا تعذر . ومن أعجب ما يوجد في مدافنهم أصناف الحيوان من الطير والوحش والحشرات ، وقد كفن الواحد منها في كذا وكذا ثوبا وهو محتاط عليه محتفظ به ، وخبرني الثقة أنهم وجدوا بيتا تحت الأرض محكما ففتحوه فوجدوا فيه لفائف ثياب