عبد اللطيف البغدادي

34

الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر

كان وحده في زمنه موحِّداً فهو أمَّةً بنفسه لاعتزالِهِ إياهم وانفراده برأيٍ يخالفُ آراءهم ، ولمّا رأى بنو إسرائيل تعظيم القِبط هذه الأصنام وتبجيلهم إياها وعُكوفهم عليها وألِفوا ذلك وأنِسُوا به لطول مقامهم بينهم ، ثم رأَوا قوماً من أهل الشام عاكفين على أصنامٍ لهم قالوا : يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ، قال : إنكم قوم تجهلون ، ولما كان النصارى معظمهم وجمهورهم أقباطا وصابئة ، نزعوا إلى الأصل ومالوا إلى سنَّةِ آبائهم القديمة في اتخاذ التصاوير في بِيَعِهم وهياكل عبادتهم وبالغوا في ذلك وتفنَّنوا فيه ، وربّما ترامَوا في الجهالة حتى يصوِّروا إلهَهُم والملائكةُ حوله بزعمِهم ، وجميع ذلك لبقايا فيهم من سنن أوائلهم ، وإن كان الأوائل يُكبِرون الإلهَ أن يدخُلَ تحت إدراكٍ عقليٍّ وحسيذٍ فضلاً عن تصوير ، وإنما سهل على النصارى ذلك وأجرأهم عليه اعتقادهم الإلهية للبشر ، وقد حققنا القول في ذلك في مقالاتنا عليهم . وما زالت الملوك تُراعي بقاء هذه الآثار وتمنع من العبث فيها والعبث بها وأن كننوا أعداء لأربابها ، وكانوا يفعلون ذلك لمصالح منها لتبقى تاريخا يتنبه بها على الأحقاب ، ومنها أنها تكون شاهدة للكتب المنزلة فإن القرآن العظيم ذكرها وذكر أهلها ففي رؤيتها خبر الخبر وتصديق الأثر ، ومنها أنها مذكرة بالصبر ومنبهة على الملل ، ومنها أنها تدل على شيء من أحوال من سلف وسيرتهم وتوافر علومهم وصفاء فكرهم وغير ذلك وهذا كله مما تشتاق النفس إلى معرفته وتُؤثِر الإطِّلاع عليه ، وأما في زمننا هذا فترِكَ الناسُ سُدى وسرحوا هملاً وفُوّضت إليهم شؤونهم ، فتحركوا بحسب أهوائهم ، وجروا نحو ظنونهم وأطماعهم ، وعمل كلُّ امرئٍ منهم على شاكلته وبموجب سجيته وبحسب ما تسوّل له نفسه ويدعو إليه هواه ، فلمّا رأوا آثارها هائلة راعهم منظرها وظنوا ظنّ السوء بمخبرها ، وكان جلّ انصراف ظنونهم إلى معشوقهم وأجلّ الأشياء في قلوبهم وهو الدينار والدرهم كما قيل . وكل شيءٍ رآه ظنَّه قدحاً وإن رأى ظِلَّ شخصٍ ظنه الساقي ، فهم يحسبون كل علمٍ يلوح لهم أنّه علم على مطلب ، وكل شيء مفطور في جبل أنه يُفضي إلى كنز ، وكل صنمٍ عظيمٍ أنه حاصلٌ لِمالٍ تحت قديمه وهو ملك عليه ، فصاروا يعملون الحيلة