عبد اللطيف البغدادي
23
الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر
إلّا أنه لين القشر ، واتخذت من بيضها عجة فلما جمد ، صار الوأنا ما بين أخضر وأحمر وأصفر شبيها بألوان اللحم ، ومن ذلك السرلينس ، وهو صدف مستدير إلى الطول أكبر من الظفر ينشق عن رطوبة مخاطية بيضاء ذات نكتة سوداء يعافها الناظر وفيه ملوحة عذبة زعموا ويباع بالكيل . الفصل الرابع في اختصاص ما شوهد من آثارها القديمة أما ما يوجد بمصر من الآثار القديمة فشئ لم أر ولم أسمع بمثله في مثلها فأقتصر على أعجب ما شاهدته . فمن ذلك الأهرام ، وقد أكثر الناس من ذِكرها ووصفها ومساحتها ، وهي كثيرة العدد جدّا وكلّها بين الجيزة وعلى سمت مصر القديمة وتمتد في نحو مسافة يومين ، وفي بوصير منها شيء كثير وبعضها كبار وبعضها صغار وبعضها طين ولبن وأكثرها حجر وبعضها مدرّج وأكثرها مخروط أملس ، قد كان منها بالجيزة عدد كثير لكنها صغار فهدمت في زمن صلاح الدين ، يوسف بن أيوب ، على يدي قراقوش وكان خصيّا روميا سامي الهمة فكان يتولّى عمائر مصر ، وهو الذي بنى السور من الحجارة محيطا بالفسطاط والقاهرة وما بينهما وبالقلعة التي على المقطّم ، وهو أيضا الذي بنى القلعة وأنبط فيها البيرين الموجودتين اليوم ، وهما أيضا من العجائب وينزل إليهما بدرج نحو ثلاثمائة درجة ، وأخذ حجارة هذه الأهرام الصغار وبنى بها القناطر الموجودة اليوم بالجيزة ، وهذه القناطر من الأبنية العجيبة أيضا ومن أعمال الجبارين وتكون نيفا وأربعين قنطرة ، وفي هذه السنة وهي سنة سبع وتسعين وخمسمائة تولى أمرها من لا بصيرة عنده فسدها رجاء أن يحتبس الماء فيروي الجيزة ، فقويت عليها جرية الماء فزلزلت منها ثلاث قناطر وانشقت ، ومع ذلك فلم يرو ما رجا أن يروي ، وقد بقي من هذه الأهرام المهدومة قلبها وحشوتها وهي ردم وحجارة صغار لا تصلح للقناطر ، فلأجل ذلك تركت . وأما الأهرام المتحدث عنها المشار إليها الموصوفة بالعظم ، فثلاثة أهرام موضوعة على خط مستقيم بالجيزة قبالة الفسطاط ، وبينها مسافات يسيرة زواياها متقابلة نحو الشرق واثنان منها عظيمان جدا وفي قدر واحد وبهما أولع الشعراء وشبهوهما بنهدين