عبد اللطيف البغدادي

24

الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر

قد نهدا في صدر الديار المصرية وهما متقاربان جدا ومبنيان بالحجارة البيض ، وأما الثالث فينقص عنهما بنحو الربع لكنه مبني بحجارة الصوان الأحمر المنقط الشديد الصلابة ولا يؤثر فيه الحديد إلّا في الزمن الطويل وتجده صغيرا بالقياس إلى ذينيك ، فإذا قربت منه وأفردته بالنظر هالك مرآه وحَسرَ الطرف عند تأمُّله ، وقد سُلك في بناية الأهرام طريق عجيب من الشكل والإتقان ، ولذلك صبرت على مر الزمان بل على مرِّها صبر الزمان ، فأنك إذا تبحّرتها وجدت إلاذهان الشريفة قد استهلكت فيها والعقول الصافية قد أفرَغت عليها مجهودها ، والأنفس النيِّرة قد أفاضت عليها أشرف ما عندها والملَكات الهندسية قد أخرجتها إلى الفعل مثلا هي غاية إمكانها ، حتى أنها تكاد تحدث عن قومها وتُخبر بحالهم وتنطق عن علومِهم وأذهانهم ، وتترجم عن سيرهم وأخبارهم ، وذلك أنَّ وضعها على شكل مخروط يبتدئ من قاعدة مربعة وينتهي إلى نقطة ، ومن خواص الشكل المخروط أن مركز ثقله في وسطه وهو يتساند على نفسه ويتواقع على ذاته ويتحامل بعضه على بعض فليس له جهة أخرى خارجة عنه يتساقط عليها ، ومن عجيب وضعه أنه شكل مربع قد قوبل بزواياه مهاب الرياح الأربع ، فإنَّ الريح تنكسر سَورتها عند مصادمتها الزاوية وليست كذلك عندما تلقى السطح ، ولنرجع إلى ذكر الهرمين العظيمين فإنّ المُسّاح ذكروا أنَّ قاعدة كلذٍ منهما أربعمائة ذراع طولا في مثلها عرضا ، وارتفاع عمودها أربعمائة ذراع وذلك كله بالذراع السوداء وينقطع المخروط في أعلاه عند سطح مساحته عشر أذرع في مثلها ، وأما الذي شاهدته من حالهما فإنَّ رامياً كان معنا رمى سهما في قطر أحدهما وفي سمكه فسقط السهم دون نصف المسافة ، وخبّرنا أن في القرية المجاورة لها قوماً قد اعتادوا ارتقاء الهرم بلا كلفة ، فاستدعينا رجلا منهم ورضخنا له بشيء فجعل يصعد فيها كما يرقى أحدنا في الدرج بل أسرع ، ورقى بنعليه وأتوا به ، وكانت سابقة كنت أمرته أنه إذا استوى على سطحه قاسه بعمامته ، فلما نزل ذرعنا من عمامته مقدار ما كان قاس فكان إحدى عشرة ذراعا بذراع اليد ، ورأيت بعض أرباب القياس قال : ارتفاع عمودها ثلاثمائة ذراع ونحو سبع عشرة ذراعا يحيط به أربعة سطوح مثلثات الأضلاع ، طول كل ضلعٍ منها أربعمائة ذراع