محمد بن علي الشوكاني

4857

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

يتناول الوصية المضافة إلى بعد الموت ، كما يتناوله العطية في حال الدنيا ، وهو من أعظم الأدلة الدالة على عدم جواز تخصيص بعض الأولاد بعطية ، أو وصية دون بعض ( 1 ) . وقد صرح فيه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - بأن ذلك جور ، وامتنع من أي يشهد على نحلة بشير والد النعمان ، فكانت الوصية المشتملة على تخصيص بعض الورثة دون بعض حراما بهذا الحديث ، فأفاد ذلك بطلان ما زعمه البدر - رحمه الله - من أن معنى قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - : " لا وصية لوارث " ( 2 ) لا تجب وصية لوارث ، فإن من جعله لبعض أولاده قسطا من ماله بالوصية دون بعض لم يسوِّ بينهم ، ومن لم يسو بينهم فقد جار ، ففعله جور ، وكل جور حرام ، ففعله حرام . فتقرر بهذا الدليل المتواتر تفضيل بعض الورثة على بعض ، بوصية أو عطية لا يجوز ، ولا يحل ، فهو يرد على البدر - رحمه الله - ردا واضحا إن أراد أن الوصية للوارث جائزة ، سواء كانت متضمنة المخالفة للتسوية أم لا ، وإن خص الجواز بما لا مخالفة للتسوية فيه فقد قرب المسافة ، وقلل الخلاف ، وعاد آخرا إلى ما رجحه أولا من عدم جواز الوصية [ 3 ب ] للوارث عودا لطيفا ، وبيانه أن الوصية للأولاد مثلا على وجه التسوية الموافقة لفرائض الله سبحانه ؛ إذ هي المعتبرة في التسوية ، ولا اعتبار بغيرها ؛ لأنها ليست من باب الوصية للوارث ، بل من باب قسمة التركة بينهم على فرائض الله ، أو قسمة بعضها كذلك باسم الوصية ، وذلك لا يوجب خلافا ، ولا يقتضي نزاعا ، لأنه يصدق على وصية التسوية التي هي في الحقيقة قسمة أنها موافقة لقول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - : " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه ، ولا وصية لوارث " ( 3 ) . فإذا قال الرجل في وصيته : أنه أوصى بالدار ، أو بالأرض ، أو بنوع من أنواع تركته أن يقسم بين أولاده على فرائض الله سبحانه ، ولا وارث له غير أولئك الأولاد ، فما فعل

--> ( 1 ) تقدم في الرسالة رقم ( 134 ) . ( 2 ) تقدم تخريجه . ( 3 ) تقدم تخريجه .