محمد بن علي الشوكاني

5093

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

ويعارض أيضًا بأن منع المسلم المحترف بتلك الحرفة يؤدي إلى عدم حفظه للدين ، لاختلال حاله بالمنع عن تلك الحرفة ، وافتقاره فيشرف ، وكاد الفقير أن يكون كافرا ، ولذا قرن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ الفقر بالكفر بالتعوذ منهما . وقد نهى عن أجرة الحجامة ( 1 ) وأعطى الحجام أجره ( 2 ) فعرف أن النهي للكراهة لما فيها من الدناءة ، فإن الحرف الدنية التي يباشر فيها النجاسة على القول بنجاسة الدم تطيب منها الأجرة ، وإلا لما أعطاه الأجرة . قوله : وأما تقريرهم على ذلك يستفسره من هم ؟ هل المراد ، تقرير المسلمين على التقاط الأزبال ؟ أم تقرير اليهود على الإعفاء عنها ؟ . قوله : فمناسب ( 3 ) ملغى . المناسب الملغى ليس بملغى عند مالك ، ويحيى بن يحيى الليثي عاقل الأندلس ( 4 ) وإن

--> ( 1 ) أخرج أحمد في " المسند " ( 5 / 435 ، 436 ) وأبو داود رقم ( 3422 ) والترمذي رقم ( 1277 ) وقال : حديث حسن صحيح . وابن ماجة رقم ( 2166 ) عن ابن مسعود : أنه كان له غلام حجام فزجره النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن كسبه فقال له : ألا أطعمه أيتامًا لي ؟ قال : " لا " قال : أفلا أتصدق به ، قال : " لا " فرخص له أن يعلفه ناضخه . وأخرج أحمد في مسنده ( 2 / 299 ، 332 ، 347 ، 415 ، 500 ) بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن كسب الحجام ومهر البغي وثمن الكلب " . ( 2 ) أخرج البخاري في صحيحه رقم ( 2103 ) ومسلم في صحيحه رقم ( 62 / 1577 ) عن أنس قال : أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احتجم حجمه أبو طيبة وأعطاه صاعين من طعام وكلم مواليه فخففوا عنه " . وأخرج مسلم رقم ( 1202 ) من حديث ابن عباس : أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احتجم وأعطى الحجام أجره ولو كان سحتا لم يعطه " . والأولى الجمع بين الأحاديث بأن كسب الحجام مكروه غير حارم إرشادا منه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى معالي الأمور . ( 3 ) تقدم ذكره . وانظر : مختصر ابن الحاجب ( 2 / 242 ) " الكوكب المنير " ( 4 / 180 ) . ( 4 ) أفتى به يحيى بن كثير الليثي صاحب الإمام مالك ، إمام أهل الأندلس عبد الرحمن بن الحكم نظر إلى جارية له في رمضان نهارا فلم يملك نفسه أن واقعها ، ثم ندم وطلب الفقهاء وسألهم عن توبته ، فقال : يحيى بن يحيى : صم شهرين متتابعين . فسكت العلماء ، فلما خرجوا قالوا ليحيى : ما لك لم تفته بمذهبنا عن مالك أنه مخير بين العتق والصوم والإطعام ؟ قال : لو فتحنا له هذا الباب لسهل عليه أن يطأ كل يوم ويعتق رقبة فحملته على أصعب الأمور لئلا يعود . انظر : الكوكب المنير ( 4 / 180 ) جمع الجوامع ( 2 / 284 ) .